ضـــد التــيار ..تغـــذية راجـــعة ـ بقلم :أ. سمر تغلبي

#سفيربرس

لطالما كان مصطلح التغذية الراجعة من أهم المصطلحات التربوية التي درسناها، تأتي أهميته من كونه يقيم موازنة بين مدخلات العمل التربوي ومخرجاته لتحديد مدى تحقيقه لأهدافه، وبالتالي يتم بعدها تعديل الخطط وفق نتائج هذه التغذية الراجعة للوصول إلى نتائج أفضل وتحقيق الأهداف بنسبة أكبر.

وبالتأكيد لايقتصر استخدام عملية التغذية الراجعة على الشأن التربوي، فهي ضرورية في كل القطاعات من أجل دفع عجلة التطوير إلى الأمام ووضع الخطط المناسبة للوصول إلى النتائج المرجوّة.

لكنني هنا سأقوم بتطبيق عملية تغذية راجعة على الشأن التربوي لعلنا نصل إلى نتيجة مفادها الإجابة عن السؤال التالي: هل حققت الخطط التربوية وعلى مدى عقد من الزمن نتائجها المرجوّة؟

لنعد إلى الوراء قليلاً. وإلى فترة نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي، وأثناء دراستي لدبلوم التأهيل التربوي، كان الشعار الذي يرفعه أساتذتنا التربويون دائماً لدرجة أنه عشش في وجداننا هو العمل على الانتقال من التعليم إلى التعلّم. أي الابتعاد عن التلقين وتدريب الطالب كي يتمكن من الوصول إلى التعلّم الذاتي، وهذا بهدف تكوين شخصية الطالب وبنائه الفكري والاجتماعي، أي عملية بناء الإنسان بكل ماتحمل هذه الكلمة من معنى.

وفي هذا السياق لا تجدي الجهود الفردية، فلابد من وجود منهاج مدروس بدقة هدفه الوصول إلى هذه النتيجة، وحين نتحدث عن المنهاج فإننا نتحدث عن كل عناصره من كتاب ومدرّس وبيئة صفية وأنشطة.

لذا لابد من تضافر الجهود للوصول إلى الهدف المنشود.

انطلقت حملة تغيير المناهج بشكل مستمر منذ العام 2010 ثم خضعت لتغييرات متعددة وكان الهدف الأساسي لهذه المناهج هو الانتقال من التعليم إلى التعلّم.

وما التغييرات المتكررة إلا نتاج تغذية راجعة يقوم بها مختصو القياس والتقويم في الوزارة.

ولكن ومع اجتياح أزمة كورونا العالم وتأثيرها الكبير على كل القطاعات ، لم نعد بحاجة لمختصي القياس والتقويم لتقديم نتائج التغذية الراجعة؛ فهذه الأزمة عرّت كل الأنظمة القائمة ليس في دولتنا فقط بل في كل الدول على الإطلاق وفرزتها لتكون بمثابة الزلزال الذي يجعلنا ندرك هشاشة الأبنية من صلابتها ولكن بتأثيرات مدمرة.

كورونا واقع فرض نفسه… والقدرة على التكيف مع هذا الواقع المفروض هو معيار نجاح أي نظام سواء كان تربوياً أم اقتصادياً أم خدمياً،

فنجاح أي نظام من هذه الأنظمة يعتمد على القدرة على الإفادة من البدائل المتاحة للخروج من الأزمة بأقل الخسائر الممكنة.

فما الذي حصل على الصعيد التربوي بعد العديد من القرارات المتتالية والجهود المبذولة منذ بداية كورونا؟

{حذف كل مالم يأخذه الطالب في المدرسة !!!! أي مايعادل 20-25% من المنهاج!!!}

وهذا يتناقض مع:

1- وضع الطلاب الذين هم نتاج منظومة تعليم مطور كان الهدف منه الوصول إلى التعلم الذاتي… فسقطت هذه المنظومة عند أول اختبار فعلي.

2- ومع الجهود التي بذلت من قبل الموجهين الاختصاصيين لتعويض “الفاقد التعليمي”، هذه الجهود التي ذهبت أدراج الرياح.

3-  ومع جهود قسم المعلوماتية في نشر المحتوى على النافذة التعليمية وتصميم الاختبارات الالكترونية.

(في السياق: وضعت مصطلح :”الفاقد التعليمي” بين قوسين بسبب اعتراضي على المصطلح لغوياً؛ فكلمة “فاقد” اسم فاعل والفاقد هنا هو الطالب وليس المادة التعليمية)

شخصياً لايمكنني أن أتخيل طالباً يحمل شهادة الفرع العلمي من الثانوية العامة وهو لايعرف شيئاً عن علم الوراثة في علم الأحياء وعن علم كذا في الفيزياء وكذا في الرياضيات وعلى ذلك قس.

تساؤلات كثيرة قفزت إلى ذهني بعد قرار الحذف.. ترددت كثيراً في الكتابة عنها لكن كعادتي دائماً تنتصر صراحتي على أي تحفّظ.

من هذه التساؤلات:

1- ما الهدف الأساسي من كل جهود تعويض “الفاقد التعليمي”؟ سواء من خلال المنصة التربوية أو من خلال الفضائية التربوية التي لايحتمل بناؤها (الذي هو عبارة عن قبو في مبنى دار المهندسين) الازدحام الذي نتج عن تقديم الدروس لكل المراحل فضلاً عن حركة المدرسين بين المحافظات للمشاركة في هذا التعويض والذي يخالف الإجراءات الاحترازية للتصدي لفيروس كورونا، طالما لم  يتم استثمارها؟

2- إذا كانت المنصات العامة غير مجدية ولايمكن الاعتماد عليها في مطالبة الطالب بمحتواها؛ فلماذا لم يتم الاعتماد على منصات خاصة تجمع كل مدرّس بطلابه ليكمل ماتبقى من المنهاج دون أن يتأثر الطالب باختلاف الأسلوب بين مدرّس وآخر؟ وهذا يتم بإشراف إدارة كل مدرسة على حدة.

في الكثير من الدول لجأوا للتعليم عن بعد وبعض الدول تجري امتحاناتها عن بعد أيضاً وهذا قد لا نتمكن من تحقيقه حسب الإمكانيات المتاحة، لكن ما أنا متأكدة منه هو إمكانية الإفادة من المنصات التعليمية التي يتواصل عن طريقها كل مدرس مع طلابه، وأبسطها مجموعة خاصة على الفيسبوك تضم فقط المدرّس وطلابه ودون هذه الضجة الإعلامية التي رأيناها. (طبعاً هذا الحل حين لا نتمكن من تأمين منصة افتراضية مجانية أو بسعر مقبول فالبدائل موجودة ومتاحة).

 

3- هل معيار النجاح في العمل أن نستجيب لطلبات الطلاب والأهالي حتى لو كانت غير منطقية؟ نعلم جميعاً أن هدف الطالب والأهل في الأعم الأغلب هو الحصول على الشهادة، ولكن مهمة المنظومة التربوية أكبر من ذلك بكثير، وظيفتها بناء الجيل القادر على بناء الوطن، وورقة الشهادة لن تفعل ذلك مالم تتماهى مع حاملها بصدق. وبالتالي مطالبات الأهالي رغم كونها مشروعة من حيث خوفهم على أبنائهم إلا أن الاستجابة لها يجب أن تكون ضمن الإطار التربوي المقبول…

 

(في السياق:  حضرتني مطالبة قرأتها في تعليق، يطالب بعض الأهالي الوزارة بتوجيه المدرّسين للتخفيف عن الطلاب أثناء المراقبة!!!! فتخيلت لو تمت الاستجابة لها كما حصل حين تم احتساب درجة موضوع خاطئ في اللغة الانكليزية لأن عدداً “كبيراً” من الطلاب قد أخطأوا به نتيجة مطالبة الأهالي بدعم من بعض مدرسي الخصوصي)

 

4- لماذا لم نستغل هذه الظروف لنضع الطلاب والمدرسين معاً أمام خيار التكيف دون انتقاص؟

فالجميع سيضطر للتعامل مع التكنولوجيا ومع هذا الاضطرار نكون قد اجتزنا عائقاً هاماً أمام عملية التطوير هي الجهل التكنولوجي عند الكثير من الكوادر التربوية وأستغرب أن يكون بعض هؤلاء من جيل الشباب.

في النهاية لا أبارك لطلابنا هذا الحذف، بل أعزيهم عليه…

أعزيهم لأن شهادتهم ستكون ناقصة، ولأن هذا الحذف هو إقرار بأن بناءهم الفكري لم يكتسب الصلابة المرجوّة جراء سنوات من دراسة المناهج المطورة، متمنية لهم التوفيق ليس فقط في الحصول على الشهادة فهذا أهون ما سيكون وسيكتشفون ذلك لاحقاً، وإنما في تجاوز ما غرسناه فيهم من هشاشة على مدى سنوات من تقديم العلم كوجبات مجانية يتناولونها مرغمين لأنها وسيلتهم للحصول على ورقة يدخلون بها عالماً لايعترف إلا بالأوراق حتى لو كانت مزيفة…..

 

 #سفيربرس ـ سمر تغلبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *