لماذا تركتَ الجياد الجريحة، وحيدة يا زياد؟!. بقلم: نورس برو
#سفيربرس _ تونس

رحل زياد.
نعم، الجملة ثقيلة على اللسان كأنها شوكة في الحلق، لكنها اليوم صارت حقيقة معلّقة على أبواب الصباح، تمرّ على أرواحنا كما يمرّ نشاز نشازًا بين مقطوعتين من بيتهوفن. مات زياد الرحباني، لا بعد صراع مع مرض وحسب، بل بعد صراع مع الحياة ذاتها… تلك الحياة التي لطالما فضح قبحها بسخرية باردة وابتسامة حزينة.
مات العبقريّ الذي فهم مبكرًا أن الجسد قيد، وأن الروح حين تتوق إلى التحليق تصطدم بثقل الأرض، وبقبح الناس، وبلزوجة السياسة، وبصوت النشاز في نشرة الأخبار. فهم مبكرًا، حين حدّق في عيني شقيقه “هلي”، أن الحياة ليست منصفة، وأن الضعف ليس خيارًا بل قدرًا، وأن الفن، مهما تعالى، محكومٌ بالنزول من عليائه ليغرق في وحول الواقع.
منذ زمن طويل، بدا وكأن زياد يكتب وصيّته على دفاتر المسرح والموسيقى والسياسة. حين غدره الزواج، حين انفجر دماغ اخته “ليال”، حين مات الأب على وقع قذائف الحرب الأهلية، حين غاب “جوزيف صقر” بصوته الذي كان منفذًا لصراخ زياد الداخلي… منذ ذلك الحين، بدأ الموت يعيش معه، لا كضيف، بل كرفيق دائم.
إشفعي له يا مريم وسامحيه أيتها الأم الحزينة، فيروز…
فأنت أكثر من يعرف أن ابنك كان مذبوحًا منذ البداية بثلاثة سكاكين: أن يكون “زياد”، وأن يكون ابن “عاصي”، وأن يكون ابن “فيروز”. ثلاث صلبانٍ على كتف واحدة، في أوطان لا تعرف معنى القيامة.
عرفته أول مرة صوتًا متشظيًا بين شظايا الراديو:
“بعدنا طيبين، والعقل زينة”، ثم في “بالنسبة لبكرا شو”، ثم صوته في “بما إنو” وهو يجرّ عربة الوجع كما تجرّ الأمم ذيول انكساراتها. تمنّيت يومها أن يكون نشيده عن “الشعب المسكين من نزل السرور” هو نشيدنا الوطني الثوري الحقيقي.
زياد لم يكن موسيقيًا فقط، بل كان ذاكرة موسيقى. لم يكن كاتبًا ساخرًا، بل كان بلاك كوميدي تمشي على قدمين. رجلٌ من طراز نادر، مرآة مشروخة تعكس وجوهنا بصدق مؤلم.
في زمنٍ بات فيه الجهل منقوشًا على رايات النصر، والكراهية تُصفّق على المنابر، كانت موسيقى زياد تشبه غناء الطيور في مدينة محترقة.
مرّة، قال زياد في إحدى مقابلاته:
“هيدا مش زمن عباقرة، هيدا زمن ميني عباقرة”…
كان يعلم، تمامًا، أنه أكبر من الزمن الذي وُجد فيه. كان مثل “غودو”، ننتظره في كل ظهور، فلا يأتي إلينا، بل يتركنا نأتي إليه. لكنه، بعكس “غودو”، كان موجودًا، حاضرًا، فقط لا يريد أن يرانا كما نحن.
وفي حياته، بدا كأنه مأخوذ من جحيم “دانتي”، يعبر دوائر الألم، من الفنّ إلى الخيانة، من العائلة إلى السياسة، من الأمل إلى العبث. لم يكن متصالحًا مع أي شيء سوى مع قرفه الواضح من كل شيء.
قال عنه محمود درويش: “في موسيقاه شيء من حزن العود، ومن حكمة الشيخوخة، ومن سخرية البهلوان”…
عذراً راحلنا الكبير الآخر “درويش”… لكن زياد لم يكن بهلوانًا، بل كان فيلسوف المهرّجين، ابن التناقضات الذي قال:
“أنا يساري بس ضد اليسار. أنا مع الناس ضد الناس. أنا مع الدولة ضد الدولة. أنا ضدّي…”
أي عبء هذا؟! أي روح تستطيع أن تتحمّل هذا التشظي دون أن تتكسر؟
حين زار دمشق في 2008، بالكاد صدقت أنني أتنفس نفس الهواء الذي يتنفسه زياد الرحباني في نفس الفراغ. أذكر أننا التقينا لدقائق، ثم بعد سنوات في بيروت، كنتُ قد أصبحت شيئًا ما، وكان زياد، كعادته، يشاهد في صمت، لا يجامل، لا يوزع مجاملات بلاستيكية، لكنه حين قال لي: “أنا حبيت”، شعرت أنني ولدت من جديد. يومها، قلت في نفسي: “إذا زياد حب، مين بعدو بيهم؟!”
لم تكن وفاة زياد هي الحدث، بل حياته، هي الجرح الأكبر.
كان وجوده بيننا معجزة من نوع ما، أما غيابه، فهو فقط استكمال لحكاية طويلة من الخذلان. بلاد لا تحمّل مبدعيها. وطنٌ طرد نزار قباني، وحاصر درويش، وشنق السيّاب، وخرس غسّان كنفاني، كيف له أن يحتمل زياد الرحباني؟!
زياد كتب حكاية هذا البلاد، لا بالقصائد، بل بالصرخات. قال لنا ما لم نكن نريد أن نسمعه. وعلّمنا، من حيث لا يدري، أن نكون مثله: مُنهكين، لكنّنا نكتب، نغني، نضحك من فوق حطام القلب.
لست حزينًا فقط لأن زياد مات، بل لأننا لم نحسن فهمه حيًّا بقدر ما يجب.
لأننا تركناه وحيدًا بين أصوات الطبل والتكبير والنشاز والانحطاط…
لأن مناهجنا لم تدرّسه، ولم تعترف به، ولأن “الثورات” العربية مرّت عليه كما يمرّ الدخان على بستان منسي.
زياد…
يا رفيق، يا من علمتنا أن ننتقد الحبّ دون أن نكرهه، وأن نسخر من الوطن دون أن نخونه، وأن نغني للناس ونحن نعلم أنهم لن يفهمونا…
هل سامحتنا؟
هل رأيت دموعنا بعدك؟
هل غفرت لنا أننا لم نستطع حتى أن نقول لك كم نحبك وأنت على قيد الصراخ؟
رحلتَ يا زياد، وتركتنا في عالمٍ بارد.
لم تعد فيه الموسيقى تحرّر، ولا المسرح يغيّر، ولا الوطن يحتمل أولاده.
تركتنا، والجياد الجريحة لا تزال تركض في العراء، بلا “فهد”، بلا “رشاش”، بلا “ثورة”، بلا حتى صوتك.
لكننا نعدك: لن ننسى.
صوتك سيبقى، وموسيقاك ستنقذ ما تبقّى من ضمير هذه الأمة.
نعدك… أن لا نموت تمامًا….
#سفيربرس _ بقلم : نورس برو _ تونس



