بعبع الإمبرطوريات. بقلم :د. سناء شامي
#سفيربرس _إيطاليا
يومياً تقريباً، أشاهد روبرتاج تلفزيوني أو أقرأ مقالات عن “النمو الأخضر”، نقاشات و حوارات و غليان لا تُفهم أسباب حدّته… إنه في النهاية مجرد خديعة سياسية، لأنه لا أحد يطرح العلاقة بين اللامساواة الإقتصادية و الإنهيار البيئي، لا يعترفوا بأن الأزمة البيئية، ليست أزمة طبيعية، و إنما أزمة إستغلالية، لا يفضحوا الإرتباط البنيوي بين الإفراط الرأسمالي والانهيار الإيكولوجي.
إن مظاهر التدهور البيئي: تغيّر المناخ، انقراض الأنواع، نضوب الموارد، التلوث الشامل، تُؤكد أن الأزمة لم تعد نظرية بل محسوسة في كل مكان، وأن الكوكب لم يعد يستعيد ما يفقده.
أن السبب الجذري للأزمة هو إندفاع الرأسماليين نحو النمو غير المحدود في عالم محدود، لقد خلقوا حضارة صناعية، و يريدون أن يفرضونها على الكون محطمين لأجل هذا الهدف، دورة الحياة الطبيعية التي عاشتها الحضارات الطبيعية السابقة، فأزمة كوكب الأرض اليوم، هي أزمة بيئية، و إجتماعية سببها اللامساواة الإجتماعية والدمار البيئي الذي يسببه أغنياء الأرض الذين يستهلكون أكثر مما يحتمل الكوكب، فالفقر يتفاقم عالميًا بينما تتراكم الثروات في أيدي أقلية ضئيلة، لتشكل طبقة أوليغارشيه عالمية تسيطر على الإعلام والسياسة والاقتصاد، و بالتالي فأن حماية البيئة يجب أن تكون عبر القضاء على الفقر الحقيقي، و لهذا الغرض يجب تقليص ثروة الأغنياء وليس الترويج لوعود النمو الأخضر الواهية. إن “البؤس البيئي” الذي يعانيه الفقراء من تلوث، ندرة مياه و كوارث طبيعية، سببه جشع هذه القلة الأوليغارشية التي تمارس نفوذها من خلال الشركات متعددة الجنسيات، البنوك، تدفع فعلياً العالم نحو الانهيار، من خلال جنون سعيها الهستيري لزيادة الإنتاج و الاستهلاك المفرط الذي صنع المحرك الحقيقي للكارثة البيئية.
هذه الأوليغارشية التي تترأسهم الولايات المتحدة لم يسببوا فقط في تمريض كوكب الأرض، بل أيضاً في تمريض الإنسانية و حتى النظم الديمقراطية، مستخدمين فزاعة الإرهاب لتبرير القمع والمراقبة و التحكم بموارد الأرض، و معتمدين على السياسات الأمنية التي تحدّ من حرية التعبير وتجرّيم الاحتجاج البيئي، و للآسف الإعلام يقوم بخيانة دوره، إذ يخدم مصالح الشركات الكبرى بدلًا من توعية الرأي العام.
إن هذه القلة الأليغارشية المريضة نفسياً، باتت تؤمن بأن رأسماليتهم الحديثة لم تعد بحاجة إلى الديمقراطية، بل يكفيها حكم تقني أمني يخدمهم و يخدم زبانيتهم من النخب المريضة أمثالهم بحب السيطرة… لقد وصل بهم الهوس إلى خلق تحالف بين المال والتكنولوجيا ضد الفطرة التي خلقها الله بالبشر، ضد الأرض و ضد الحرية.
لا بد أن تولد ثورة أخلاقية عالمية تدعو إلى نموذج جديد للحياة يقوم على البساطة والعدالة البيئية و ترفض عبادة الاستهلاك: إن إنقاذ الكوكب و المجتمعات يبدأ بإعادة بناء التضامن الإنساني.
إذا لم نقلّص التفاوتات بين البشر، فلن نستطيع إنقاذ الطبيعة، إن إستمرار الثراء الفاحش
لن يُنقذ الأرض بالإبتكارات التقنية أو الوعود الاقتصادية، بل بالعدالة. لا بدّ من تغيير نموذج الاستهلاك، و أن تتسلح المجتمعات بالوعي، و تهزم هذه الأليغارشية من خلال رفضها للإستهلاك المفرط لسلعها، و أن تتطالب حكوماتها بفرض نظام قوي ضرائبي على سلعهم، فهذه الطبقة هي ذاتها التي تستخدم القوة لتتدخل في الشؤون العالمية، بل تحوّلت هذه الطبقة الأوليغارشية إلى دولة تنتهك القانون الدولي، تستخدم القوة خارج الشرعية، وتفرض إرادتها على العالم، صارت أشبه بعصابة قطّاع طرق تتزعمها الولايات المتحدة. يكفي أن ننظر إلى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حيث إنفردت الولايات المتحدة بالقوة، و صارت تستخدمها كسلاح سياسي لشرعنة تدخلاتها العسكرية و خنقها للشعوب من خلال الحصار الإقتصادي، أو كما أسماها تشومسكي بالدولة المارقة الحقيقية ليس لأنها خارجة على النظام العالمي، بل لأنها ترى نفسها فوق النظام العالمي، فهي تمارس القوة بوصفها حقاً طبيعياً، متجاهلة القوانين الدولية التي تُطبّق فقط على الآخرين. إن الولايات المتحدة وبريطانيا هما الدولتان الوحيدتان اللتان اعتبرتا نفسيهما مستثنَيتين من قواعد القانون الدولي و جعلا
الإبادة جزأً من نظام يربط الشركات العالمية بالسلطة العسكرية في جميع دول العالم: ففي كولومبيا و أمريكا اللاتينية زادت أمريكا وجودها العسكري بحجة الحرب على المخدرات، كذلك حاصرت كوبا، لا لأنها تُشكّل خطر عليها، بل لأنها نجحت في نموذجها الاجتماعي، لا في قوتها العسكرية. الولايات المتحدة تستخدم الحصار لمنع أي نموذج بديل من الظهور، كما فعلت في العراق و سويا و العديد من دول العالم، مستخدمةً الديون، صندوق النقد الدولي، الانقلابات الناعمة، الدعم العسكري للأنظمة الموالية، و النيوليبرالية و القمع هما جزء لا يتجزأ من هذه الـسياسة المريضة، و لا ننسى ديون العالم الثالث، فهي أشبه بقبر مفتوح، و هي ليست بمشكلة اقتصادية فقط، بل آلية للسيطرة السياسية، تضمن تبعية الجنوب العالمي. الولايات المتحدة تتشدق بالمطالبة بحقوق الإنسان، إلا أنها ترفض الانضمام إلى معظم الاتفاقيات الدولية لهذه الحقوق، بل تستعمل خطاب الحقوق كسلاح ضد خصومها، إن تاريخ الحروب الأوروبية والأمريكية، يشير إلى “تقديس الحرب” في الوعي الأمريكي وتحويل العنف إلى فضيلة وطنية. آمريكا بارعة في صناعة “إعلانات أخلاقية” بينما تمارس العكس تمامًا في الواقع، و حتى في سياستها الداخلية تعتمد على الإعلان و سيطرة رؤوس الأموال و هيمنة الشركات التي دمّرت حتى سيادتها الوطنية، لذلك إختفت الدولة و صار العصر، عصر الشركات العابرة للحدود، حيث تختفي الدولة، أو تتحول إلى موظف شركة، و يُقتل إبداع الإنسان و فطرته و دوره في الأرض، وتبقى الكلمة الفصل للقوة الاقتصادية الجوفاء، التي تستعمل القانون الدولي كأداة سياسية
وليس كمعيار أخلاقي. يجب أن يستيقظ العالم و يقرأ التاريخ و الأحداث من موقع الضحايا لا من موقع القوة إلا، ليستوعب بأن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل إلى إلغاء السيادة في العالم كي تجعل من هيمنتها إمبرطورية، و أن مفهوم الإمبراطورية ليس مجرد ظاهرة تاريخية، بل منطق حكم عالمي يتكرر عبر الحضارات: من روما القديمة إلى الولايات المتحدة المعاصرة، ما زال يتكرر نفس النموذج الذي يتمثل بقوة مركزية واسعة النفوذ تسعى إلى إدارة محيط عالمي مضطرب عبر السيطرة، التمدين، التنظيم الأمني، و الدمج الإقتصادي، لتولد هذه الإمبراطورية من جديد، من رحم كياناتها الإستعمارية التقليدية، معتمدةً على صناعتها لمركز قوي يفرض النظام ويحدد قواعد اللعبة على الأطراف، و يصنع مناطق تابعة تتمتع بهوامش متفاوتة من الاستقلال، و غالباً هذه المناطق التابعة، تُمنع حتى من حقها بموقف الحياد، و تُجبر على الإنحياز، و هذا ما حدث و ما زال يحدث فيما تسمى بمنطقة الشرق الأوسط، و التي تشمل اليوم أيضاً شمال إفريقيا.
جميع الإمبرطوريات عبر التاريخ، كالإمبراطوريات البرّية: مثل المغول، روما المبكرة، روسيا القيصرية، أو الإمبراطوريات البحرية: مثل فينيقيا، أثينا، بريطانيا، و كذلك الإمبراطوريات التجارية العابرة للقارات: البرتغال، هولندا، و اليوم الولايات المتحدة… جميع هذه الإمبرطوريات كوّنت وجودها عبر سرقات موارد الدول الأخرى و تحطيم إقتصاديات مجتمعاتهم، سواء بالقوة العسكرية أو من خلال شبكات تجارية ضخمة، و إستعملت السلام كذريعة للهيمنة، و الرسالة المقدسة كتبرير أخلاقي، و نظرت للشعوب المنهوبة بفوقية و إتهمتهم بالتخلف و الهمجية، و ذلك لتكريس منطق تفوقها الوقح، كما إستعملت الإزدهار الإقتصادي كوسيلة تحالف بين القوى المحلية في البلاد المنهوبة و مصالحها في تلك البلاد… و لكن جميع الإمبرطوريات إنهارت بسبب جشعها و توسعها، و غالباً إنهيارها يبدأ من عظمة هيمنتها، إذا تبدأ تستنزف ذاتها من الداخل، فتكثر فيها حرب العصابات، و تُصاب هوياتها الثقافية المتعددة بمرض تضخم الأنا و التعبئة، و يصبح الإرهاب فيها ضرورة تكتيكية، و يصبح عدم التكافؤ العسكري يخدم الطرف الأضعف حين يجرّ القوة الكبرى إلى صراع طويل ومنهك.
نعم، بعد الحرب العالمية الثانية انهارت الأنظمة الإستعمارية، لكن لم تنتهِ ديناميكيات السيطرة العالمية، و الولايات المتحدة الأمريكية هي اليوم الإمبراطورية الجديدة بما تقوم به من تدخلات عسكرية محدودة، شبكات إقتصادية عملاقة
قواعد عسكرية عالمية
إقتصاد معرفة و تقنيات تكنولوجية تفرض على العالم تبعية غير مباشرة.
حتى الإتحاد الأوروبي هو إمبراطورية بوجه مختلف يعتمد على النفوذ القانوني–الاقتصادي أكثر من القوة العسكرية… إن الحقيقة الأكثر واقعية اليوم، هو أن دور الدول الوطنية تراجع كثيراً، و أن ديناميكيات الهيمنة على الأوطان و الدول، تؤكد بأن العالم يُدار إمبراطورياً، و الإمبراطوريات لم تموت، بل تجدد نفسها بإستمرار، و لم تتوقف يوماً القوى العظمى عبر أساليب مباشرة و غير مباشرة لإعادة إنتاج منطق السيطرة والهيمنة على نطاق عالمي، كما أن عمليات تفكيك الإمبرطوريات في السابق، و فبركة مفهوم الوطن و صناعة الدول و توزيع القوميات، لم يكن إلا أغصاناً ناتجة عن تقليم شجرة الإمبرطورية، من أجل تجديد و تهيئة ذاتها للمواسم المقبلة… إن ما يحدث في المشرق العربي و في الدول العربية و الإسلامية، يستدعي الحفاظ على التراث، و الأخلاق، و الترابط الإجتماعي، فهم الوسائل الأنجع و الأسرع في الوقت الحاضر لمواجهة جشع أثرياء العالم و إمبراطورياتهم الوقحة، الجاهلة و الضعيفة رغم هيمنتها، فقد حان الوقت لأن تدافع الإنسانية عن وجودها.
و نظرت للشعوب المنهوبة بفوقية و إتهمتهم بالتخلف و الهمجية، و ذلك لتكريس منطق تفوقها الوقح، كما إستعملت الإزدهار الإقتصادي كوسيلة تحالف بين القوى المحلية في البلاد المنهوبة و مصالحها في تلك البلاد… و لكن جميع الإمبرطوريات إنهارت بسبب جشعها و توسعها، و غالباً إنهيارها يبدأ من عظمة هيمنتها، إذا تبدأ تستنزف ذاتها من الداخل، فتكثر فيها حرب العصابات، و تُصاب هوياتها الثقافية المتعددة بمرض تضخم الأنا و التعبئة، و يصبح الإرهاب فيها ضرورة تكتيكية، و يصبح عدم التكافؤ العسكري يخدم الطرف الأضعف حين يجرّ القوة الكبرى إلى صراع طويل ومنهك.
نعم، بعد الحرب العالمية الثانية انهارت الأنظمة الإستعمارية، لكن لم تنتهِ ديناميكيات السيطرة العالمية، و الولايات المتحدة الأمريكية هي اليوم الإمبراطورية الجديدة بما تقوم به من تدخلات عسكرية محدودة، شبكات إقتصادية عملاقة
قواعد عسكرية عالمية
إقتصاد معرفة و تقنيات تكنولوجية تفرض على العالم تبعية غير مباشرة.
حتى الإتحاد الأوروبي هو إمبراطورية بوجه مختلف يعتمد على النفوذ القانوني–الاقتصادي أكثر من القوة العسكرية… إن الحقيقة الأكثر واقعية اليوم، هو أن دور الدول الوطنية تراجع كثيراً، و أن ديناميكيات الهيمنة على الأوطان و الدول، تؤكد بأن العالم يُدار إمبراطورياً، و الإمبراطوريات لم تموت، بل تجدد نفسها بإستمرار، و لم تتوقف يوماً القوى العظمى عبر أساليب مباشرة و غير مباشرة لإعادة إنتاج منطق السيطرة والهيمنة على نطاق عالمي، كما أن عمليات تفكيك الإمبرطوريات في السابق، و فبركة مفهوم الوطن و صناعة الدول و توزيع القوميات، لم يكن إلا أغصاناً ناتجة عن تقليم شجرة الإمبرطورية، من أجل تجديد و تهيئة ذاتها للمواسم المقبلة… إن ما يحدث في المشرق العربي و في الدول العربية و الإسلامية، يستدعي الحفاظ على التراث، و الأخلاق، و الترابط الإجتماعي، فهم الوسائل الأنجع و الأسرع في الوقت الحاضر لمواجهة جشع أثرياء العالم و إمبراطورياتهم الوقحة، الجاهلة و الضعيفة رغم هيمنتها، فقد حان الوقت لأن تدافع الإنسانية عن وجودها.
#سفيربرس _إيطاليا _ بقلم : د. سناء شامي



