نجوى صليبه: لم أفضّل فرد عضلاتي اللغوية في قصصي… “صيغة توافقية” مجموعة تقصّ المفارقات التي تفضح التناقض بين المثاليات والواقع البعيد عنها
#سفيربرس _لمى بدران _جريدة أحوال

متناقضات الحياة كثيرة و نشهدها في هذه الأيام بشكل متزايد نتيجة الضغوط المتعددة، وقد تدفعنا نحو الهروب إلى تفاصيلنا اليومية لننسج منها قصصاً قصيرة بمضامين ليست صغيرة أبداً بل كبيرة وعميقة وتشكّل عند البعض ما يشبه الندوب النفسيّة التي تغذّي الإلهام الإبداعي وتُسقطه مثلاً على هيئة مجموعة قصصية عنوانها “صيغة توافقيّة” كما فعلت الصحفية والكاتبة نجوى صليبه التي أصدرت مؤخّراً هذه المجموعة كأول عمل قصصي لها بعد العمل في الحقل الثقافي منذ عام 2005 في العديد من الصّحف والمواقع الإلكترونية، حيث كان لها زوايا، وحوارات مع أدباء من سورية والوطن العربي عموماً، ومقالات وتحقيقات وتغطيات، وغير ذلك من النشاطات التي رفعت عندها السويّة النقديّة مع قراءة المفارقات الحياتية التي عاشتها خلال هذه السنوات كلها.
“تقنية المفارقة والابتعاد عن المفردات المعقدة”
استخدمت الكاتبة المفارقة في كونها إحدى طرق الصياغة والتحليل الأدبيين، إذ قدّمت عبر قصصها القصيرة الثلاث والعشرين في الكتاب مفارقات أدبية عبر سردها لمواقف بسيطة قد لا تلفت عامة الناس، لكنّ يتوقّف عندها أصحاب الفكر التأملّي الذين يهتمّون بالتفاصيل ويثير فضولهم ماوراءها، وأعتقد أن هذا يعود لكونها صحفية قضت في الأروقة الثقافية ما قضت وتشبّعت بالمعرفة التي تخوّلها التقاط نقاط القوّة من الحدث، وعلى سبيل الذكر ما كتبته في قصة عنونتها “قرقعة الكؤوس” لتعبّر فيها عن أن الصوت الصادر من قرقعة كأس بلاستيكي يمسكها رجل جالس في إحدى الندوات التي تتسلّق على منابرها الشويعرات اللواتي يقدّمن نصوصهن، هو الصوت المناسب لهذا النوع من الشعر الرديء الذي يسمعونه، وما كتبته بقصة ” من تحت الدلف إلى المزراب” عندما تحدّثت عن جلوسها إلى جانب رجل غريب ومحاولاته فتح حديث معها بينما تنطلق رحلة الباص التي تريد السفر فيه إلا أنها واربت ولم تستجب لأنها لا تحب الدخول في أحاديث شخصية مع غرباء، لتجلس بعدها في الباص وبجانبها امرأة سُعدت بها بأنها فتاة ومن المريح أن تحادثها طوال الطريق، وهنا توقظ داخلنا أسئلة حول ظاهرة تسلّق الفتيات على المنابر الثقافية دون امتلاكهن الكفاءة، والأحاديث العابرة مع الغرباء في محطات حياتنا المختلفة….
من الواضح أن صلبيه تهدف إلى النقد الاجتماعي من خلال قصصها القصيرة لأنها تتطرق إلى المعاناة بأشكال متعددة مع إمكانية النظر إليها ونقدها من خارج الدائرة، مثل النهايات التي تساوي بقيمتها الصفر في علاقات الحب، والادعاءات غير المشرّفة فيه، وعن التناقضات في التعامل مع المرأة بمجتمعنا حيث يقولون لها شيئاً ويفعلون معها شيئاً آخر، وحتى عن الواسطة والمحسوبيات كحقيقة مرة في المجتمع كنا نشهدها وغير ذلك الكثير، إلا أن اللافت الذي يجمع كل النصوص هو البساطة المفرطة في الحدث ذاته وفي مفردات سرده، رغم أن الكاتبه تمتلك مهارات لغوية وفكرية عالية لكنها قصدت حسبما ذكرت لنا أن لا تفرد عضلاتها اللغوية والمعرفية والثقافية للابتعاد عن التعقيد والقرب من المتلقي، وهذا كلّه يترافق مع الحفاظ على المعنى والقيمة الفكرية التي تحث على التفكير والتأمّل في تلك المفارقات…
“ما وراء حدود الذات”
برزت ذاتية الكاتبة ليس فقط في قصصها داخل الكتاب بل حتى على الغلاف، إذ نرى صورة لفتاة ذات شعر مجعّد وراءها مساحة واسعة تظهر فيها السماء، يبدو أنها دلالة إلى الآفاق الشاسعة التي تكمن خلف ما تريد إيصاله لنا، وصولاً إلى العنوان “صيغة توافقية” وهو يجسّد النظرة الذاتية لنجوى نحو الحياة (التوافق- الانسجام- التقبل- التماهي- المنطق…الخ)، وهي قد لا تمثّل نظرة القرّاء تماماً خصوصاً هؤلاء الغالبية الذين لديهم ازدواجية في المعايير والقيم، لذلك كنت أرى أنه من الأفضل إيجاد عنوان أكثر إثارة لأنه مباشر ويوحي لنا بمضمون صحفي أكثر من الأدبي.
عند حديثنا مع الكاتبة قالت: من هذه النصوص ما كان مسودات منذ عام ٢٠٠٦ و٢٠٠٧ لكني اخترت منها الأجدد وليس الأقدم، لأن ما كان مؤجلاً منها لوقت طويل فقد بريقه بالنسبة لي، وهي عبارة عن مواقف واقعية ممزوجة بالخيال في بعض الأماكن، وهذا يبرر أن بعض الأحداث تمت فلترتها والحذف منها والإضافة عليها بما يضمن واقعها المعقول، ما يجعل القارىء مستمتعاً بالسرد ومدهوشاً أيضاً.
تفضح المفارقة التناقض بين المثاليات والواقع، أو بين الظاهر والمبطن، عبر القضايا المطروحة ضمن الكتاب من الحب والفتنة والذكريات والعلاقات الاجتماعية المختلفة والادعاءات والخوف والألم والمعاناة، وغير ذلك من الأمور التي نتركها لمن يود قرائتها برؤيته الخاصة، إلا أني أجزم أن كل من قرأ الكتاب أو سيقرؤه سيشعر بأن هذه المواقف الصغيرة المسرودة ببساطة ستهزّ وجدانه، وتثير أناه الداخلية التي تحب الحياة، وأعتقد أنه كان يجب على الكاتبة أن تزيد من عدد القصص في كتابها لأننا عندما نصل إلى نهايته نشعر أنه لم يتنه بعد، وهذا يجعلها أمام مسؤولية إكمال قصصها لنا في كتب قادمة.
في المجمل يعدّ هذا الكتاب وجبة أدبية سلسة، وتجربة قصصية تستطيع الكاتبة أن تنطلق منها نحو عالم الأدب لتسرد لنا المزيد بقضايا متجددة ومواقف عابرة تستحق أن تكون قصة، ولتذكّرنا بأدب المفارقات الذي برز فيه العديد من الكتّاب العالميين والعرب أمثال دوستويفسكي في (الجريمة والعقاب)، والطاهر بن جلون في (تلك العتمة الباهرة)، وخالد حسيني في(عداء الطائرة الورقية)، وغيرهم الكثير ممن امتلكوا القدرة على رؤية الأضداد والتناقضات وتقديمها بصورة فنية مدهشة.
#سفيربرس _لمى بدران _جريدة أحوال




