ثورة العروة الوثقى _ بقلم : د. سناء شامي
#سفيربرس
كيف يمكن لمنهزم أمام نفسه أن يصنع إنتصاراً ضد عدوه؟ الإنتصار على العدو، ليست قضية منفصلة عن مسيرة الفرد الخاصة و العامة، الإجتماعية و السياسية و الإقتصادية و الثقافية و الإعلامية.. الإنتصار على العدو هو إسلوب حياة أولاً، و بناء سدود بإستمرار في كل مجالات الحياة، بإيمان في العمل، و الصدق مع الذات…يقول الله في كتابه العزيز: (فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن بالله فقد إستمسك بالعروة الوثقى)، ما أرروعها من آية، و إذا قرأنها على ضوء الواقع العربي و ما تلمّ به من أحداث مؤلمة، يتضح لنا كم هي الأمة العربية، شعوباً و حكومات، بعيدة عن العروة الوثقى!
فالعروة الوثقى ليست حالة إيمانية سطحية تُبنى بالعبادات، بل أن الله في آيته، قدّم الكفر بالطاغوت أولاً، كشرط أساسي للوصول إلى العروة الوثقى… و الطاغوت ليس مجرد طاغية، أو صنم يُعبد، بل هو كل ما يعلو على وعي الإنسان و يصادر حريته في الفهم و الإختيار: فقد يكون فكرةً موروثة بشكل أعمى، أو سلطة دينية تمنع الناس من التساؤل و النقد، و قد يكون الطاغوت حاكم ذو بطش، مانعاً من التغيير، و الطاغوت قد يكون غروراً بداخلنا، و نرجسية متضخمة، لذلك فأن الكفر بالطاغوت هو قانون وعي، لأنه لا يمكن للإنسان أن يدرك الحقيقة ما دام خاضعاً لسلطة لم يخترها بوعي، هو كسر للتبعية و إستعادة الحق في التفكير و رفض الأخطاء و القوالب الجاهزة… الكفر بالطاغوت هو لحظة إنقلاب في الوعي، ينتقل فيها الإنسان من التبعية و الخنوع إلى الإدراك و الإرتقاء بالفكر و النفس، هو تحرر، و ليس إنكار.
إن الإيمان بالله، أو في أية قضية أو وطن، يبدأ بالوعي و المعرفة، (و إنما يخشى الله من عباده العلماء)، لأن الإيمان قبل التحرر يكون موروثاً أو مفروضاً، و يصبح إمتداداً للطاغوت، و ليس خروجاً عنه، و كل إيمان لا يسبقه تحرر من أوثان الطاغوت، هو إيمان هش، و في هذه النقطة بالذات، تكمن أوهان هذه الأمة الطيبة التي أضاعت عروتها الوثقى، لأن العروة الوثقى هي أولاً رابط الإنسان مع وعيه… لذلك فأن الجهل ليس فقط غياباً للمعرفة، و إنما هو في أغلبه صناعة تنسجها جهات عديدة، من حكومات، و وسائل إعلام و منظمات و أكاديميون من غير عروة وثقى، و أجهزة مخابرات… و هدف هذه الصناعة الحدّ من الوعي، أو توجيهه، أو تشويهه، أو حتى القضاء عليه، لإضعاف إيمان الشعب بقضاياه… لذلك شرح الله تعالى بعد الكفر بالطاغوت، أي الوصول إلى مرحلة الإدراك، ( فقد إستمسك بالعروة الوثقى لا إنفصام لها): لأن ما يُبنى على وعي و معرفة، يصبح من الصعب كسره و تصبح علاقة الإنسان بمحيطه، علاقة لتوجيه الحياة نحو الحق و تجسيد القيم.
إن بناء العروة الوثقى لهذه الأمة هي مسؤولية الجميع، و على رأسهم المثقفين الصادقين الذين يجيدون صناعة العروة الوثقى في حياتهم، قبل أن يساهمون في صناعتها داخل محيطهم و مجتمعاتهم… واجب علينا جميعاً أن نكفر بالطاغوت، وهذا يعني أن نتحرر من كل موروث خاطئ، فالجديد لا يولد إلا من إنهيار القديم، و قانون التحول في القرآن واضح، (يخرج الحي من الميت و مخرج الميت من الحي)، قانوناً يشرح كيف يولد الوجود من داخله، و مجتمعاتنا العربية تتمسك غالباً بالقشور، و تنسى بأن الحياة قائمة إحلال مستمر، لا على بقاء ثابت، و بأن الدفاع عن وجودنا و محاربة العدو، يبدأ أولاً بإدراك ما حدث و يحدث في منطقتنا و في مسيرتنا التاريخية من تحولات، و لماذا وصلنا إلى ما نحن عليه، و لنبني عروتنا الوثقى، لا بد أن تموت المسلّمات القديمة لينفتح أفق جديد، و الحضارات تنهار مراحلها لتقوم حضارات أخرى… أن نبني عروتنا الوثقى، يعني أن ننقذ بذور حضارتنا كي تولد من جديد، (إن الله فالق الحبًّ و النّوى… يخرج الحيَّ من الميت و مخرج الميت من الحي)، هذه الآية ليست فقط قانوناً بيولوجياً طبيعياً فحسب، بل هو قانون كسر السكون أيضاً و تحرير الطاقة الحقيقة لولادة حياة جديدة، فالوعي لا يتفتح إلا بكسر أوهامه، فقد أرسل الله آياته، من أجل إسقاطها على مشروع الوعي من أجل أن نكون مسؤولين بما منحنا الخالق من حق في بناء الحياة و المساهمة في إخراج الحي من الميت، فنحن نزرع بذور النبتة بعد موتها، و نطور أفكارنا بعد موت القديم منها، لكن فقط الخالق يملك حق إستمرارية إخراج الميت من الحي… بينما نحن أنفسنا بذور لأجيالنا القادمة…
و من منطلق تشرذم الواقع الوجودي للدول و للمجتمعات العربية، فالسؤال الذي يطرح نفسه، لا يكمن في التساؤل عن المخرج،، و إنما في كيفية الخروج… و الخروج لن يكون بشراء الأسلحة المتطورة من مصانع المستعمر، و لا في الإتفاقات الغير متكافئة، و لا في رضى شركات النفط والمال و الإستثمارات و الصفقات… بل في البدء، ضمن محيط هذه التصداعات و التشرذم و الإنهزام، ببناء العروة الوثقى، فمن خلالها ننقذ وجودنا و هويتنا و تكافلنا، و بذلك نقلّص من تأثيرات أهداف العدو علينا، و هكذا بعد أن نموت، تتحول عروتنا الوثقى إلى بذور حياة لأبناؤنا، فالمقاومة بالعروة الوثقى، و بأي شكل نريد أن نموت، نستطيع هزيمة العدو، فكيفية موتنا، تحدد نوعية ما سنكون عليه من بذور لأجيالنا القادمة.
#سفيربرس _ بقلم :د. سناء شامي



