التربية وبناء الإنسان في مرحلة ما بعد الثورة. بقلم :أ. د. عبد الله المجيدل
#سفيربرس
تنجح الثورات بسواعد رجالها وتضحياتهم بالغالي والنفيس في الإطاحة بالأنظمة الظالمة وتغيير الواقع السياسي، لكن التحدي الأكبر والأعقد يبدأ في اليوم التالي، وهو تحدي بناء “الإنسان الجديد” المؤهل لقيادة المرحلة الانتقالية وحمايتها من الانتكاس. إن هدم جدران الاستبداد يحتاج إلى شجاعة وإرادة، أما بناء مؤسسات الدولة فيحتاج إلى وعي وثقافة. وهنا تبرز التربية—كما وصفناها في كتابنا “التربية والمواطنة” بوصفها الأداة والأسلوب التنموي الأهم الذي تعتمده المجتمعات لإعادة بناء المواطن وتأهيله للحياة في واقع متغير ومتسارع، وتمكينه من استشراف المستقبل.
أولاً: الانتقال من ثقافة “الرفض” إلى ثقافة “البناء”
تتسم مراحل الثورات عادة بحالة شحن عاطفي ونزوع نحو الرفض والاحتجاج، وهو أمر طبيعي في لحظات التحول الشعبي. لكن استمرار هذه العقلية في مرحلة ما بعد الثورة قد يؤدي إلى الفوضى.
هنا يأتي دور التربية في تحويل طاقات الشباب من “ثقافة الرفض” إلى “ثقافة المسؤولية”. ويؤكد د. المجيدل في طروحاته أن دور المؤسسة التربوية يتجاوز التلقين إلى بناء سلوك المواطنة الفاعل؛ بحيث لا يقتصر الانتماء على الشعارات الشفوية، بل يُترجم إلى مواقف سلوكية وعملية وإجرائية في الحياة اليومية، من مثل: احترام القانون، وحماية الملكية العامة والخاصة، والمشاركة في الإنتاج، وغير ذلك من مهارات المواطنة وسلوكاتها وقيمها.
ثانياً: إعادة صياغة الوعي السياسي وتجذير العدالة والمساواة
إن غياب الديمقراطية لفترات طويلة يورث المجتمعات ثقافة الإقصاء. وانطلاقاً من الرؤية الفلسفية للمواطنة التي تربط بين “التربية والمجتمع” و”التربية على المواطنة”، فإن تفكيك هذا الإرث يمر عبر ثلاث ركائز أساسية:
تطوير التفكير النقدي: تدريب الطلاب على التساؤل، والتحليل، لتمكينهم من فهم طبيعة الحاضر المعقد والحذر من الخطابات الشعبوية.
تأصيل قيم الحوار: تحويل الفصول الدراسية إلى مساحات لممارسة الاختلاف الفكري الواعي، حيث يتعلم الطفل أن التنوع قوة لإثراء الوطن.
المواطنة الحاضنة للتنوع: غرس مفهوم المواطنة الشاملة التي تذوب فيها الانتماءات الفرعية الضيقة لصالح هويّة وطنية جامعة تعزز السلم الأهلي.
ثالثاً: التمكين الاقتصادي وسد فجوة الكفاءات
تخرج الدول من مخاض الثورات غالباً باقتصاد مجهد ومؤسسات تحتاج إلى دماء جديدة. لا يمكن للتربية أن تنفصل عن هذا الواقع، بل يجب أن تؤدي دوراً حيوياً في الإعمار الاقتصادي من خلال الآىتي:
التعليم التقني والمهني: توجيه الشباب نحو التخصصات التي يحتاجها سوق العمل الفعلي لتلبية الاحتياجات العاجلة للدولة الناشئة.
الربط بين التربية وخطط التنمية المستدامة: اعتماد التربية كرافعة اقتصادية تمنع انزلاق الشباب نحو البطالة أو الجريمة عبر إكسابهم مهارات إنتاجية حقيقية.
رابعاً: معالجة الآثار النفسية والاجتماعية للهزات المجتمعية
تترك الثورات والاضطرابات ندوباً نفسية غائرة في نفوس الأطفال والشباب، مثل القلق والنزوع نحو العنف.
في هذه المرحلة، تصبح المدرسة “ملاذاً آمناً” يعيد تنشئة الطفل اجتماعيّاً وثقافيّاً. يتجاوز دور المعلم تقديم المعرفة إلى تقديم الدعم النفسي، وتوفير بيئة مستقرة تساعد الأجيال على تجاوز صدمات الماضي وتوجيه طاقاتهم نحو الفنون والرياضة والابتكار.
إن الثورة الحقيقية المستدامة ليست تلك التي تغير الوجوه في قصور الحكم، بل هي التي تغير العقول داخل فصول الدراسة. إن إنفاق الأموال على إصلاح المنظومة التربوية في مرحلة ما بعد الثورة ليس ترفاً، أو هدراً للموارد، بل هو أكثر الاستثمارات ريعاً وربحية، كما أنه الضامن والحقيقي لمستقبل الوطن.
فالأمم لا تقف على أقدامها بإنعاش ميزانياتها فحسب، بل ببعث روح إنسانها؛ وحين يتحول الانتماء من مجرد عاطفة في القلوب إلى سلوك وممارسة في الميدان، تنتهي مرحلة الركام وتبدأ مرحلة السلام الحقيقي.
#سفيربرس _بقلم : أ. د. عبد الله المجيدل
أستاذ في جامعة دمشق



