هل يُباع الوهم؟.. بقلم :د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت
ليس كل ما يُباع يُرى، وليس كل ما يُشترى يُحمل باليد؛ فهناك أشياء لا تحتاج إلى متجر، ولا تُعرض خلف واجهات المحلات، ومع ذلك تجد لها سوقاً واسعاً، ومن أغرب ما يمكن أن يشتريه الإنسان: الوهم.
قد يبدو الأمر غريباً، لكننا نلتقي بالوهم في حياتنا أكثر مما نتصور؛ في وعد جميل لا يتحقق، أو فكرة تبدو سهلة من بعيد، أو صورة تجعلنا نظن أن حياة الآخرين أفضل من حياتنا، وأحياناً في حلم نتمسك به طويلاً حتى ننسى أن الحلم وحده لا يكفي.
ولعل الوهم يجد طريقه إلى الإنسان لأنه يحب أن يسمع ما يوافق رغبته، ويميل أحياناً إلى الطريق الأسهل، فنحن نحب النجاح السريع، ونرغب في النتائج الكبيرة دون أن ندفع ثمنها من الوقت والجهد، مع أن الحياة لا تسير بهذه الطريقة؛ فالله تعالى جعل لكل نتيجة سبباً، ولكل ثمرة وقتاً، ولكل نجاح طريقاً يحتاج إلى صبر وعمل.
لكن أخطر الأوهام ليست دائماً تلك التي يصنعها الآخرون، وإنما تلك التي يصنعها الإنسان لنفسه؛ فقد يبدأ الأمر بحلم جميل، ثم يتحول إلى أمنية، ثم تصبح الأمنية بديلاً عن العمل، فيقول الإنسان: سأبدأ غداً، وسأتعلم عندما أجد الوقت، وسأحقق ما أريد عندما تتحسن الظروف، وتمضي الأيام ثم السنوات، ويبقى الحلم في مكانه.
وليس كل الأحلام أوهاماً؛ فكل إنجاز كبير بدأ يوماً بحلم، لكن الحلم يحتاج إلى عمل حتى يصبح حقيقة، وهنا يظهر الفرق بين الحلم والوهم؛ فالحلم يدفعك إلى الأمام، أما الوهم فيجعلك تنتظر، والحلم يجعلك تسأل: ماذا أستطيع أن أفعل؟ بينما الوهم يجعلك تكتفي بالسؤال: ماذا أتمنى؟
ولذلك قال النبي ﷺ: «الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَه وعملَ لما بعد الموت، والعاجزُ من أتبعَ نفسَه هواها وتمنّى على الله الأماني»، فالإنسان قد يعرف ما يريد، وقد يملك القدرة على الوصول إليه، لكنه يؤجل الخطوة الأولى، ثم يعتاد التأجيل حتى يصبح جزءاً من حياته.
وحين نتأمل حياتنا، نجد أن بعض الخيبات لم تبدأ بالفشل، وإنما بدأت بتأجيل البداية؛ فمشروع بقي فكرة، وكتاب بقي في الذهن، وعلم كان صاحبه ينوي طلبه، وقرار كان يعرف أنه صحيح لكنه ظل يؤجله حتى ضاعت الفرصة، ثم يكتشف الإنسان بعد سنوات أن ما كان يحتاجه في البداية لم يكن أكثر من خطوة واحدة.
وفي زماننا أصبح الوهم أكثر حضوراً؛ لأننا لا نسمعه فقط، بل نراه أمامنا كل يوم، فنحن نرى نجاح الآخرين ولا نرى سنوات التعب التي سبقته، ونرى الثمرة ولا نرى الطريق، ونرى الصورة الجميلة ولا نعرف ما وراءها، ثم نقارن حياتنا بكل ما فيها من تعب ومسؤوليات بلحظات مختارة من حياة الآخرين، فنشعر أننا تأخرنا وأن غيرنا سبقنا، مع أن ما نراه لا يمثل القصة كاملة.
فلكل نجاح طريق، ولكل إنجاز وقت، وما يظهر في دقائق قد يكون وراءه سنوات من العمل والصبر، وقد ضرب القرآن مثلاً واضحاً للشيء الذي يبدو حقيقياً وهو ليس كذلك، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾؛ فالسراب يبدو ماءً لمن يراه من بعيد، لكن كلما اقترب منه اكتشف أنه لم يكن سوى وهم.
وهكذا هو الوهم؛ قد يجعل الإنسان يشعر أنه يقترب من هدفه، بينما هو في الحقيقة لا يتحرك، وأخطر ما يمكن أن يسرقه الوهم منا ليس المال، وإنما الوقت؛ فالمال قد يُعوَّض، والفرصة قد تتكرر، أما الوقت الذي مضى فلا يعود.
ولهذا يحتاج الإنسان من وقت إلى آخر أن يتوقف ويسأل نفسه: هل أنا أعمل من أجل ما أريده، أم أنني فقط أتمنى أن يحدث؟ وقد تكون الإجابة مؤلمة أحياناً، لكنها أفضل من أن نكتشف بعد سنوات أننا كنا ننتظر شيئاً كان يحتاج منا أن نبدأ به.
ابدأ بما تستطيع، ولو كانت الخطوة صغيرة؛ تعلّم، وجرّب، وأخطئ، وصحح، ثم حاول من جديد، ولا تنتظر الظروف المثالية؛ لأن الحياة لا تخلو من العوائق، والنجاح ليس أن تجد طريقاً بلا صعوبات، وإنما أن تستمر رغم وجودها.
وكما قال أحمد شوقي:
وما نيلُ المطالبِ بالتمني
ولكن تُؤخذُ الدنيا غلابا
فلا تجعل حلمك مجرد كلام تردده كل عام، ولا تجعل «غداً» المكان الذي تؤجل إليه كل ما تريد، واحلم فهذا حقك، وتمنَّ فهذا طبيعي، لكن لا تتوقف عند الحلم والأمنية؛ خذ خطوة اليوم، ثم خطوة أخرى غداً، وستكتشف بعد فترة أن ما كان حلماً أصبح طريقاً تسير فيه.
فالأحلام لا تصبح حقيقة بمجرد أن نتمناها، وإنما عندما نبدأ العمل من أجلها.
#سفيربرس _الكويت_بقلم :د. عطية العلي


