بين لغتين وتعدد الحروف من صحفية ومترجمة سورية لصحفية هولندية _بقلم : سلوى زاهر
#سفيربرس _الشارقة

للعام الثاني على التوالي، أتلقى دعوة كصحفية هولندية لتغطية فعاليات ملتقى الشارقة للخط. وأعود إلى العالم العربي الذي تتلاقى فيه الحروف والثقافات، وأجد نفسي أمام أسئلة تتجاوز الفن وجماليات الكتابة، لتلامس تجربتي الشخصية كصحفية سورية لجأت إلى هولندا قبل١٤ سنة، وتحاول اليوم أن تكتب بلغتين مختلفتين، وأن تعثر على صوتها بين لغتها الأم واللغة التي اختارتها لتكون جسرها إلى مجتمع جديد.
تبدأ فعاليات الملتقى بورش عمل تجمع خطاطين وفنانين من بلدان مختلفة، توحّدهم الحروف وتجمعهم الرغبة في استكشاف إمكانات الخط وتكويناته الجمالية. هنا، تتحول الأبجدية إلى مساحة للحوار، وتصبح الحروف أكثر من مجرد وسيلة للكتابة؛ إنها ذاكرة الشعوب وهويتها، وطريقة تعبيرها عن العالم.
يجتمع الفنان الصيني مع نظيره التركي والأفغاني والباكستاني والسنغافوري واللبناني والسوري، في فضاء تتبادل فيه التجارب والأفكار، وتتقاطع فيه رؤى فنية تنتمي إلى ثقافات مختلفة. وفي زمن يتسارع فيه تطور الذكاء الاصطناعي، يكتسب هذا اللقاء أهمية خاصة، لأنه يذكّرنا بأن الإبداع ليس مجرد إنتاج أشكال جميلة، بل هو أيضًا تعبير عن تجربة إنسانية تحمل تاريخًا وذاكرة ومشاعر.
الحروف التي تحمل هويتنا
خلال جولتي في المعرض، التقيت عددًا من الفنانين المشاركين، من بينهم الدكتورة الكويتية جميلة السالم، التي عبّرت عن سعادتها بالمشاركة في الملتقى. وهي فنانة خزفية توظّف الخط في أعمالها الفنية، مستلهمةً من الهوية الكويتية عناصر تعبّر عنها بصريًا.
كما التقيت الفنان الأفغاني يونس جامي، الذي يدرّس الفن في كلية الفنون بجامعة كابول. تحدّث عن حبه لفنه وتعلّقه بالخط، وعن العلاقة التي تربط الفنان بتراث شعبه وذاكرته. وفي تجربته، بدا الخط أكثر من ممارسة جمالية؛ إنه مساحة يلتقي فيها الشغف الشخصي بالإرث الثقافي.
ومن سوريا، التقيت فنانًا شابًا يدرس هندسة العمارة، ويحاول توظيف الخط العربي والعثماني في لوحاته، جامعًا بين اهتمامه بالعمارة وشغفه بالفن.
وأنا أستمع إلى الفنانين وأتأمل أعمالهم، أفكر في علاقتي أنا أيضًا بالحروف. فقد عشت سنوات طويلة أكتب بالعربية، وأعمل في الصحافة والترجمة، وأحمل الكلمات إلى القراء بما تختزنه من أفكار ومواقف وحكايات. لكن اللجوء لم يكن انتقالًا من بلد إلى آخر فحسب؛ كان انتقالًا أيضًا إلى لغة جديدة، ومحاولة مستمرة للتعبير عن نفسي داخل مجتمع له مفرداته وتقاليده وطرائقه في فهم العالم.
بين مهنتين ولغتين
حين وصلت إلى هولندا، لم أترك خلفي بلدي وذكرياتي فحسب، بل وجدت نفسي أمام تحدٍّ جديد: كيف أواصل الكتابة والتعبير عن أفكاري بلغة ليست لغتي الأم؟ وكيف أحافظ على صوتي الصحفي والأدبي، وأنا أتعلم لغة جديدة وأحاول أن أجد مكاني في مجتمع مختلف؟
اليوم، أتنقل بين مهنتين: الصحافة، التي اعتدت من خلالها البحث عن الحكايات وطرح الأسئلة ونقل أصوات الآخرين، والترجمة الاجتماعية، التي تضعني وجهًا لوجه أمام تجارب بشرية متنوعة، وتمنحني فرصة للمساعدة على التواصل بين أشخاص قد تحول اللغة بينهم وبين فهم بعضهم بعضًا.
في عملي مترجمةً اجتماعية، أدرك يوميًا أن نقل الكلمات وحده لا يكفي دائمًا؛ فخلف كل كلمة تجربة، وخلف كل جملة مشاعر ومخاوف وآمال. وفي عملي الصحفي، أحاول أن أمنح هذه التجارب مساحة لتُروى، وأن أقترب من الإنسان بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
لهذا، لا أرى الكتابة بلغتين مجرد تحدٍّ لغوي، بل تجربة أعادت تشكيل علاقتي بالكلمات وبنفسي أيضًا. فاللغة الجديدة لا تمحو اللغة الأولى، كما أن الحياة في مجتمع جديد لا تعني التخلي عن الذاكرة التي جئنا بها. إننا نتعلم كيف نضيف إلى ذواتنا، وكيف نجعل من الاختلاف مساحة للتواصل، لا حاجزًا يفصلنا عن الآخرين.
وأمام أعمال الخطاطين في ملتقى الشارقة للخط، أجدني أفكر في المسافة بين الحرف العربي الذي رافق سنوات عملي الصحفي، والكلمات الهولندية التي أتعلم من خلالها التعبير عن أفكاري وتجربتي في بلد اللجوء. لكل لغة إيقاعها، ولكل حرف ملامحه، لكن الحاجة إلى التعبير عن الذات تظل واحدة.
الإنسان جوهر الحكاية
ربما لهذا السبب أشعر بأنني قريبة من تجربة الفنانين الذين التقيتهم. فكما يبحث الخطاط عن صيغة فنية تعبّر عن هويته ورؤيته، أحاول أنا أن أجد صيغة لغوية تحمل تجربتي، وتصل بها إلى قارئ قد يختلف عني في اللغة والثقافة والخلفية.
إن اختلاف الحروف والخطوط لا يمنعها من الالتقاء في لوحة واحدة، كما أن اختلاف اللغات لا ينبغي أن يمنع البشر من التواصل. بل إن هذا التنوع يوسّع آفاقنا، ويدفعنا إلى النظر إلى العالم من زوايا جديدة، وإلى اكتشاف المشتركات الإنسانية التي قد لا تظهر لنا من النظرة الأولى.
وفي زمن يتقدم فيه الذكاء الاصطناعي بخطوات متسارعة، يظل السؤال بالنسبة إليّ هو: كيف نحافظ على صوت الإنسان، وعلى خصوصية تجربته وذاكرته ومشاعره؟
قد تتطور التقنيات، وتتغير أدوات الكتابة، وتظهر وسائل جديدة للتعبير، لكن الإنسان سيظل بحاجة إلى أن يروي حكايته بنفسه، وأن يجد من يصغي إليه ويفهمه.
وبين الحروف التي يرسمها الخطاطون، والكلمات التي أكتبها بالعربية والهولندية، أكتشف أن رحلتي لم تكن بحثًا عن لغة بديلة، بل محاولة لبناء جسر بين عالمين أحملهما في داخلي. جسر يسمح لي بأن أظل ابنة لغتي الأولى، وأن أواصل في الوقت نفسه اكتشاف صوتي في اللغة الجديدة.
ففي النهاية، لا تجمعنا الحروف وحدها، بل الحكايات التي نحملها، والرغبة في أن نكون مفهومين، وأن نعثر لأنفسنا على مكان في هذا العالم.
#سفيربرس _بقلم : سلوى زاهر




