الحياة دروس وعِبَر _بقلم :د. عطية العلي
#سفيربرس _ الكويت
كم من أمور شغلتنا طويلاً، وأخذت من تفكيرنا وراحتنا أكثر مما تستحق، ثم مضت الأيام واكتشفنا أننا بالغنا في الاهتمام بها، وأن الحياة كانت أوسع من تلك المواقف التي ظننا يوماً أنها أكبر من قدرتنا على الاحتمال. وكم من أشخاص خشينا أن نخسرهم، وأرهقنا أنفسنا في سبيل إرضائهم، ثم أدركنا أن بعض العلاقات لا تستحق كل ذلك العناء، وأننا منحناها من تفكيرنا أكثر مما تستحق.
الحياة دروس وعِبَر، لكننا لا نفهم كثيراً منها إلا بعد أن نعيشها. نعود إلى مواقف قديمة فنراها بعين مختلفة، ونتساءل: لماذا حملنا أنفسنا كل ذلك العناء؟ ولماذا سمحنا لكلمات الآخرين أن تعكّر صفو أيامنا، ولأمور لا نملك تغييرها أن تسلبنا راحتنا؟
ومع مرور الزمن، تتغير نظرتنا إلى الحياة وتتبدل أولوياتنا، فنتعلم أن ليس كل ما يُقال عنا يحتاج إلى رد، ولا كل اختلاف يستحق النقاش، ولا كل موقف يستدعي أن نثبت فيه أننا على صواب. ندرك أن أيامنا أثمن من أن نقضيها في تفسير كل تصرف، ومراجعة كل كلمة، ومحاولة إرضاء الجميع.
ومن أهم الدروس التي نتعلمها أننا لا نستطيع إرضاء الناس جميعاً، مهما أحسنا وتعاملنا بحسن نية. فقد نتنازل عن أشياء نحبها حتى لا نزعج أحداً، ونصمت عن أمور تؤلمنا خوفاً من خسارة علاقة، ثم نكتشف أن بعض الناس مضوا في حياتهم، بينما بقينا نحن أسرى التفكير والقلق.
والحرص على مشاعر الآخرين خُلُق كريم، لكن ليس على حساب راحتنا وكرامتنا. فليس المطلوب أن نصبح أنانيين أو نجافي الناس، وإنما أن نحسن إليهم دون أن نهمل أنفسنا، وأن نحفظ الود دون أن نعيش في خوف دائم من الفقد. يكفينا أن نصدق في القول، وننصف الناس، ونعترف بأخطائنا حين نخطئ، ثم نترك لكل إنسان حقه في أن يفهمنا كما يشاء.
وتعلمنا التجارب أن بعض الخسارات ليست نهاية الطريق، وأن ما لم يتحقق كما تمنيناه قد يفتح أمامنا باباً آخر. وليس معنى ذلك أن الألم سهل، أو أن كل خسارة خير، وإنما أن الحياة لا تتوقف عند خيبة أمل، وأننا نستطيع أن نتعلم مما حدث دون أن نبقى أسرى له. فقد لا نملك تغيير الماضي، لكننا نملك أن نفهمه ونختار كيف نمضي بعده.
وحين نتأمل ما مضى من العمر، ندرك أن أشياء كثيرة كانت أولى باهتمامنا من القلق الذي استنزفنا؛ لحظات جميلة مع أهلنا، وأوقات هادئة أضعناها في التفكير بكلام الآخرين، وصحتنا التي أهملناها، وأعمال نافعة كان يمكن أن ننجزها. وكم من فرص للسعادة مرّت بنا دون أن ننتبه إليها، لأننا كنا مشغولين بأمور لم تضف إلى حياتنا شيئاً.
النضج ليس في أن نخرج من تجاربنا بلا أخطاء، بل في أن نصبح أكثر وعياً بأنفسنا والناس، وأكثر قدرة على التمييز بين ما يستحق التمسك به وما ينبغي أن نتركه يمضي. والحكمة ليست في أن ننتصر في كل نقاش، بل في أن نعرف متى يكون الكلام نافعاً، ومتى يكون الصمت أفضل، ومتى يكون التجاوز راحةً لقلوبنا.
في نهاية المطاف، لا نحتاج إلى أن نكسب رضا الجميع، ولا إلى أن نثبت صوابنا في كل موقف. نحتاج إلى أن نعيش بضمير مرتاح، ونمنح وقتنا لمن نحب، واهتمامنا لما ينفع، وأيامنا لما يستحق.
فالحياة تمضي على أي حال، والفارق أن نمضي معها بسلام، أم نستنزف أعمارنا في أمور كان يمكن أن نتركها خلفنا ونواصل الطريق.
#سفيربرس _الكويت _ بقلم :د. عطية العلي



