“المعروف لا يموت وإن مات صاحبه”. بقلم : د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت
ليست قيمة الإنسان فيما يملكه، ولا فيما يُقال عنه في حياته، بل فيما يتركه من أثر بعد رحيله. ومن أصدق ما يعبّر عن ذلك قولهم: «المعروف لا يموت وإن مات صاحبه»؛ جملة تختصر معنى الأثر، وتضعنا أمام سؤال تربوي مهم: ماذا نُبقي منّا في نفوس الآخرين؟
ومن أبلغ الشواهد على هذا المعنى ما كان من موقف المطعم بن عدي مع النبي ﷺ. فعندما عاد النبي من الطائف مثقلًا بالأذى، ومنعته قريش من دخول مكة، قام المطعم فأجاره، وأعلن حمايته له، فدخل النبي مكة آمنًا بعد خوف. كان موقفًا إنسانيًا صادقًا، لا تحكمه مصلحة ولا قوة، بل نخوة ووفاء.
ومضت الأيام، وتغيّرت الأحوال، ووقعت غزوة بدر، وأُسر من قريش من أُسر، وكان المطعم قد مات. وهنا تتجلّى عظمة الوفاء النبوي، إذ قال ﷺ:
«لو كان المطعم بن عدي حيًّا، ثم كلّمني في هؤلاء، لأطلقتهم له».
كلمة تختصر درسًا تربويًا عميقًا: أن المعروف محفوظ، وأن الإحسان لا يُنسى، مهما طال الزمن أو اختلفت المواقع.
هذه القصة لا تُعلّمنا فعل الخير فحسب، بل تُعلّمنا الاعتراف به، وحفظه، وتربية الأبناء على الوفاء لأهله. كما تُربّينا على أن القيم الأخلاقية لا تسقط بتبدّل الظروف، وأن الإحسان لا يحتاج إلى توافق كامل، بل إلى صدق إنساني.
وفي واقعنا، تتكرر هذه المعاني كل يوم: معلّم يزرع أثرًا لا يُمحى، وأب أو أم يغرس قيمة فتبقى حيّة في الأبناء، وإن غاب صاحبها. هؤلاء قد يرحلون، لكن ما صنعوه يبقى شاهدًا لهم.
المعروف لا يموت وإن مات صاحبه، لأنه حين يُصنع بإخلاص، يتحوّل إلى أثرٍ تربوي حيّ، يمتدّ في النفوس، ويصنع إنسانًا يعرف قيمة الخير، ويحفظه، ويورثه من بعده.
#سفيربرس _د. عطية العلي – الكويت



