من مشكاة الهجرة النبوية .. دروس و عبر ..بقلم : د. محمد إبراهيم الدغيم
#سفيربرس
لم تكن الهجرة النبوية مجرد انتقال جغرافي من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بل كانت مشروعاً حضارياً متكاملا أسس لقيام دولة وبناء مجتمع وصناعة مستقبل جديدا للأمة ، ومن يتأمل الهجرة يدرك أنها مدرسة متجدده في التخطيط والإدارة والتغيير والإصلاح فرسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم و رغم الظروف الصعبة التي واجهها وأصحابه من اضطهاد وحصار ومقاطعة لم يستسلموا للواقع بل بحثوا عن فرص تتيح لهم نشر رسالتهم وتحقيق أهدافهم ،
وهنا تتجلى أولى دروس الهجرة النبوية بأن التغيير لا يبدأ بالشكوى من الواقع بل بالسعي الجاد لصناعة واقع أفضل ، كما تعلمنا الهجرة النبوية أهمية التخطيط الدقيق للأعمال ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ بكل الأسباب الممكنة رغم يقينه بنصر الله ، فاختار الصاحب المناسب في رحلته وحدد المسار الآمن واستعان بمن يمتلك الخبر ة في الطرق ورتب وسائل الدعم والإمداد ، وهذا يؤكد أن النجاح لا يتحقق بالأمنيات وحدها بل بالتخطيط المحكم والعمل المنظم مع التوكل على الله سبحانه وتعالى أولاً و آخراً ومن أعظم معاني الهجرة النبوية الاهتمام بالإنسان وبنائه قبل بناء العمران فقد أسس النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة مجتمعنا قائما على الأخوة والتكامل والتعاون واحترام التنوع فآخى بين المهاجرين والأنصار ووضع أسس التعايش السلمي المبني على العدالة بين مختلف مكونات المجتمع مما جعل المدينة نموذج رائعا في الاستقرار والتنمية ، ، وتبرز الهجرة النبوية أيضاً قيمة العمل الجماعي إذ لم يكن النجاح ثمرة جهد فرد واحد بل نتيجة لتكامل الأدوار بين مختلف مكونات المجتمع من رجال و نساء و شباب و شيوخ ، فكل فرد ساهم بما يستطيع و وفق تخصصه وهذا ما يؤكد على أن النهضة الحقيقية لا تتحقق إلا بتعاون الجميع بمختلف أطيافهم و تخصصاتهم و تكافلهم و تكاتفهم حول رؤية مشتركة وهدف واحد ، و تعلمنا الهجرة النبوية أيضا أن الأزمات يمكن أن تتحول إلى فرص وأن المحن يمكن أن تصبح منحناً ، وأن الإصلاح يبدأ بخطوات صغيرة متدرجة وأن النجاح يحتاج إلى رؤية وصبر وعمل مستمر ..
لذلك فالهجرة النبوية تعتبر منهج حياة يدعو إلى التوكل على الله و العمل الجاد و التخطيط المستمر له و مراجعة النفس وتصحيح المسار وتقييم السلوك والأعمال كل فترة ، والانتقال من واقع التحديات إلى آفاق الإنجاز ..
فكما انتقل رسولنا الكريم وأصحابه من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة البناء والتمكين تستطيع الأمة اليوم أن تصنع مستقبلها عندما تؤمن برسالتها وتضع الخطة المناسبة لها وتستفيد من طاقات أبنائها بكل فئاتهم دون إقصاء .. و تستثمر هذه الطاقات بكل تخصصاتها ..
ويبقى الدرس الخالد هو أن التغيير يبدأ من الداخل وأن المستقبل يبنى بالإيمان و العلم والعمل و الصبر ، وأن كل رحلة نجاح عظيمة تبدأ بخطوه صادقة نحو الأفضل .
اللهم صلى على سيدنا محمد صاحب الذكرى و على آله و صحبه و سلم .
#سفيربرس _بقلم :د. محمد إبراهيم الدغيم



