الفنان العراقي طه علوان لسفيربرس : الفن ذاكرة وطن… ولم يُنصف الفنان العراقي كما يستحق
#سفيربرس _حوار: الإعلامية هدى زوين

حين نبحث في ذاكرة الفن العراقي، نجد أسماء ارتبطت بتاريخ الدراما والمسرح، وحملت مسؤولية تقديم صورة الإنسان العراقي بكل تفاصيله وتحولاته. ومن بين هذه الأسماء يبرز الفنان طه علوان، أحد الفنانين الذين تركوا بصمة واضحة في المشهد الفني العراقي عبر مسيرة امتدت لعقود، قدّم خلالها شخصيات متنوعة في المسرح والتلفزيون والسينما والإذاعة.
لم تكن رحلة طه علوان مجرد حضور أمام الكاميرا، بل كانت تجربة فنان عاش الشخصيات بكل أحاسيسها، وأسهم في توثيق مراحل مهمة من تاريخ العراق من خلال أعمال بقيت في ذاكرة الجمهور.
في هذا الحوار الخاص بسفيربرس ، يتحدث عن بداياته، وواقع الدراما العراقية، وإنصاف الفنان، وتحديات المهنة، وجديده الفني، ورؤيته لمستقبل الفن في العراق.
السؤال الأول:
بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لعقود، كيف تنظر اليوم إلى هذه الرحلة بكل ما حملته من نجاحات وتحديات ومحطات لا تُنسى؟
طه علوان:
السلام عليكم. في البداية أود أن أقدم تحياتي لحضرتك، ولأسرة الجريدة، ولكل القراء الكرام
الحقيقة أنها مسيرة طويلة، لكنها مرت بسرعة كبيرة جدًا، وأخذت منا الكثير من أعمارنا، وخاصة من عواطفنا. لأن الفنان في كل عمل يقدّم شخصية معينة، يعيش داخل إطارها، ويرتدي تفاصيلها ومشاعرها، ثم يقدمها للمشاهد بكل صدق.
والحمد لله أن الكثير من الأعمال التي قدمناها بقيت في ذاكرة الجمهور، ونلمس نجاحها الحقيقي من خلال تقييم الناس لنا في الشارع وتفاعلهم مع هذه الأعمال.
السؤال الثاني:
في بداياتك، ما الذي دفعك لاختيار طريق الفن؟ وهل كنت تدرك أن هذا الاختيار سيقودك إلى مسيرة طويلة؟
طه علوان:
الحقيقة أن الحظ كان له دور كبير في اختياري للفن. منذ المرحلة الابتدائية والمتوسطة، كانت لدينا مادة القراءة الخلدونية التي تحتوي على قصص جميلة، وكنا نقوم بتمثيل بعض هذه القصص داخل المدرسة.
كان المعلم يلاحظ ذلك، وكنا نقدم هذه الأعمال في فعاليات المدرسة، مثل رفعة العلم يوم الخميس، وكان تصفيق الطلبة والمدرسين يمثل بالنسبة لي إنجازًا كبيرًا.
من هنا بدأ تعلقي بالفن، وأصبح لدي ارتباط حقيقي بهذا العالم الذي وجدت نفسي فيه.
السؤال الثالث:
ينتمي طه علوان إلى جيل أسهم في بناء صورة الدراما والمسرح العراقي. كيف تقيّم مرحلة ذلك الجيل؟
طه علوان:
نحن نسميها مرحلة الزمن الجميل، لأن الأعمال التي قدمت في ذلك الوقت بقيت في ذاكرة المتلقي بسبب جودة النصوص والسيناريو، وقوة الشخصيات، وأداء الممثلين.
كان هناك اهتمام حقيقي بجودة العمل الفني. كما أن وجود قناة تلفزيونية واحدة جعل المشاهد يتابع هذه الأعمال، وكذلك الإذاعة التي كانت تمتلك جمهورًا واسعًا جدًا.
السؤال الرابع:
بعد هذه المسيرة الطويلة، هل تشعر أن العراق أنصف الفنان طه علوان؟ أم أن الفنان العراقي غالبًا ما يحصل على محبة الجمهور أكثر من تقدير المؤسسات؟
طه علوان:
الحقيقة أن الفنان، لا سابقًا ولا حاليًا، ولا أعلم ماذا سيكون مستقبلًا، لم يحصل على الإنصاف الذي يستحقه. لا أعتقد أن الفنان العراقي أُعطي حقه الحقيقي، رغم ما قدمه من عطاء وتضحيات.
الكثير من المنتجين الذين تعاقبوا على تقديم الأعمال الفنية استفادوا من طاقات الفنانين وجودة عطائهم، لكنهم لم يمنحوهم دائمًا ما يستحقون من تقدير وإنصاف.
ومع ذلك، يبقى الأمل موجودًا بأن يأتي يوم يُنصف فيه الفنان العراقي، لأن الأعمال العربية تجد من يقدّرها، بينما ما زالت الأعمال العراقية بحاجة إلى اهتمام أكبر.
السؤال الخامس:
ما الذي يحتاجه الفنان الحقيقي ليشعر بأن وطنه قدّر عطاءه؟ هل هو التكريم، حفظ المنجز، أم وجود مشروع ثقافي يدعم الإبداع؟
طه علوان:
بصراحة، لا يكفي التكريم وحده، ولا حفظ المنجز فقط، ولا حتى وجود مشروع ثقافي منفرد. هناك منظومة كاملة يجب أن تتوفر حتى يشعر الفنان بأن جهده لم يذهب سدى.
الفنان يحتاج إلى بيئة تحترم إبداعه وتقدّر تاريخه، حتى يبذل أقصى ما لديه قبل أن يغادر هذه الحياة ولا يكون قد مر مرور الكرام.
هناك شخصيات فنية رائعة قدمت أعمالًا مهمة، لكنها للأسف مرت دون أن تحصل على ما تستحقه من تقدير.
السؤال السادس:
ما الدور الذي لعبه الفنان العراقي في توثيق تاريخ المجتمع وتحولاته؟
طه علوان:
الفن كان دائمًا وسيلة مهمة لتوثيق تاريخ العراق والمجتمع. قدمنا أعمالًا تاريخية ومحلية نقلت مراحل مهمة من حياة الناس وتفاصيل المجتمع العراقي.
من الأعمال التي أعتز بها مسلسل “آخر الملوك” الذي تناول الفترة الملكية، وقدمت فيه شخصية نوري السعيد، بإخراج الفنان الكبير حسن حسني وتأليف حامد المالكي.
وكذلك مسلسل “سارة خاتون” الذي تناول فترة من تاريخ بغداد، والشخصية المرتبطة بمنطقة سارة خاتون التي بقيت حاضرة في ذاكرة المشاهد العراقي.
كما قدمنا أعمالًا أخرى مثل “هستيريا” و**”الحواسم”**، وغيرها من الأعمال التي وثقت جوانب من تاريخ العراق والمجتمع.
السؤال السابع:
هل ترى أن الدراما العراقية الحالية تستفيد من إرث الرواد، أم أن هناك فجوة بين الأجيال؟
طه علوان:
جيل الرواد من الصعب أن يتكرر بسهولة، ليس فقط من ناحية الالتزام الفني، بل من ناحية الثقافة والوعي والإدراك.
الفنان في السابق كان يراجع نفسه ويطور أدواته باستمرار، أما الجيل الجديد فهو بحاجة إلى متابعة ثقافية كبيرة، لأن الفن ليس مجرد ظهور أو شهرة، بل هو وعي وثقافة وتاريخ.
علاقتنا بالجيل الجديد هي علاقة نصيحة وتوجيه، لكن أحيانًا تكون هناك نرجسية عالية لدى بعض الشباب تجعلهم لا يتقبلون النصيحة.
السؤال الثامن:
رغم امتلاك العراق تاريخًا فنيًا عريقًا، لماذا لم تستعد الدراما العراقية حضورها العربي كما كانت في السابق؟
طه علوان:
العراق بلد الحضارة والتاريخ، ويمتلك مقومات فنية كبيرة، لكن الدراما العراقية لم تستعد حضورها العربي بسبب غياب تصدير وتسويق العمل العراقي.
العمل العراقي غالبًا يبقى محليًا، بينما الانتشار العربي يحتاج إلى مشروع ثقافي وإعلامي قادر على إيصال هذه الأعمال إلى الجمهور العربي.
نحن نلاحظ أن الجمهور يتأثر بلهجات وأعمال عربية أخرى بسبب كثرة انتشارها، واليوم بدأت الدراما الخليجية تأخذ مساحة واسعة.
غياب تسويق العمل العراقي يمثل مشكلة كبيرة، وهذه مسؤولية تحتاج إلى معالجة حقيقية
السؤال التاسع:
هل تحتاج الدراما العراقية اليوم إلى دعم إنتاجي أكبر فقط، أم إلى رؤية جديدة في الكتابة والإدارة الفنية؟
طه علوان:
الدراما العراقية تحتاج إلى دعم إنتاجي كبير جدًا، إضافة إلى وجود رؤية واضحة تحافظ على هوية العمل العراقي.
المشكلة أن بعض الأعمال التي تتناول البيئة العراقية تُنتج أحيانًا من جهات خارج العراق، وقد يتولى إخراجها مخرجون لا يعرفون تفاصيل البيئة العراقية بشكل عميق، مع احترامي لكل المخرجين العرب.
خصوصية المجتمع العراقي تحتاج إلى من يفهم تفاصيله وتاريخه وثقافته. وهذه مسؤولية الدولة قبل أي جهة أخرى، فالقنوات تبحث عن الأعمال التي تحقق المشاهدة، لكن الدولة هي المسؤولة عن حماية الهوية الثقافية والفنية العراقية.
السؤال العاشر:
في زمن أصبحت فيه الشهرة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي معيارًا للانتشار، كيف يمكن الحفاظ على قيمة الفنان الحقيقية؟
طه علوان:
الشهرة الرقمية أصبحت واقعًا لا يمكن تجاهله، لكن ما يبقى في النهاية هو ثقافة الفنان ووعيه وحبه لمهنته وما يقدمه من شخصيات وكاركترات.
أهم ما يميز الفنان الحقيقي هو الابتعاد عن الغرور وعدم جعل المادة هي الهدف الأول. الفن هو الشيء الثابت الذي يبقى في ذاكرة الناس، أما المادة فهي زائلة.
أتمنى من الجيل الجديد أن يبتعد عن الغرور، وأن يواصل القراءة والتعلم، لأن الثقافة هي الأساس الذي يجعل الفنان قادرًا على الاستمرار.
السؤال الحادي عشر:
خلف كل مسيرة ناجحة محطات من التعب والتحديات، ما أبرز المواقف الصعبة التي واجهت الفنان طه علوان؟
طه علوان:
هناك الكثير من المحطات الصعبة التي مررت بها خلال مسيرتي. ومن أكثر المواقف التي لا أنساها أثناء تصوير مسلسل “فاتنة بغداد”، حيث كنت أجسد شخصية المطربة العراقية عفيفة إسكندر، وتلقيت خبر وفاة والدتي خلال فترة التصوير.
كانت لحظة إنسانية قاسية، لأن الفنان في النهاية إنسان لديه مشاعر وعواطف، لكننا أحيانًا نضع أمامنا مسؤولية العمل والفن ونواصل رغم الألم.
كما مررت بظروف صعبة أخرى، منها عندما كان ابني يخضع لعملية جراحية كبيرة في المستشفى، ومع ذلك كان علينا أن نتمسك بالعمل ونؤدي مسؤوليتنا. والحمد لله تجاوزنا هذه المراحل بالصبر والإيمان.
السؤال الثاني عشر:
بعد هذه الخبرة الطويلة، كيف أصبحت تختار أدوارك وشخصياتك؟
طه علوان:
من خلال الخبرة الطويلة في الإذاعة والتلفزيون والسينما والمسرح، أصبح لدينا القدرة على قراءة النص وفهم الشخصية.
عندما نقرأ النص تتكون لدينا فكرة عن الكاركتر ودوافعه وتفاصيله، وهذه الخبرة تأتي من سنوات طويلة من العمل.
كما أن التواصل مع الفنانين المشاركين في العمل يساعد على تقديم الشخصية بصورة صحيحة ومتكاملة.
السؤال الثالث عشر:
ما جديد الفنان طه علوان حاليًا؟ وهل هناك أعمال جديدة تستعد لتقديمها؟
طه علوان:
لدي عمل جديد بعنوان “العوالي”، ولا أعرف حتى الآن على أي قناة سيُعرض، لكنه من الأعمال الجميلة جدًا.
العمل يتناول تاريخ مثنى صبري، وهو من إخراج الفنان الكبير صلاح زكي، وإنتاج الأستاذ صلاح كرم وشركة الخليج. تم تصويره قبل شهر رمضان، وأتمنى أن يرى النور قريبًا ويحصل على فرصة العرض التي يستحقها.
السؤال الرابع عشر:
هل تفكر في الاعتزال بعد هذه المسيرة الطويلة؟
طه علوان:
حاليًا أفكر بالاعتزال من التلفزيون والسينما والإذاعة، وربما يبقى المسرح فقط.
لقد تغيرت الكثير من الأمور في المجال الفني، وأصبحت التفاصيل مختلفة عن السابق، لكنني لا أستطيع ترك المسرح، فهو أبو الفنون، وجذوري الفنية كلها مسرحية.
السؤال الخامس عشر:
من بين الشخصيات التي قدمتها، ما الأعمال أو الأدوار التي تركت أثرًا خاصًا لديك؟
طه علوان:
قدمت الكثير من الأعمال التي أعتز بها، ومن الشخصيات القريبة إلى قلبي شخصية نوري السعيد في مسلسل “آخر الملوك” بإخراج الفنان الكبير حسن حسني.
كما أعتز بشخصية الملا آمن في مسلسل “مستر مايك” مع الفنان صلاح زكي.
ومن الأعمال المهمة أيضًا مسلسل “المقتفي لأمر الله”، وهو من الأعمال التاريخية الفصحى الصعبة، لأن تقديم الشخصية التاريخية باللغة العربية الفصحى يحتاج إلى جهد خاص وقدرة كبيرة من الفنان.
وأتمنى أن تعود الأعمال التاريخية التي تمنح الفنان فرصة لتقديم شخصيات عميقة ومركبة.
السؤال السادس عشر:
هناك أعمال فنية تركت أثرًا خاصًا في مسيرتك، هل هناك تجربة تعتز بها بشكل خاص؟
طه علوان:
هناك عمل أعتز به كثيرًا وهو مسلسل “ميم ميم”، من تأليف عبد الخالق وإخراج الفنان الكبير حسن حسني. تم تصويره في لبنان بين بيروت وجنوب لبنان.
كان هذا العمل من التجارب المهمة لأنه تناول قضية اجتماعية حساسة ومهمة في المجتمع العربي والإسلامي، وهي قضية المتعة والمسيار، وناقشها من زاوية فنية وإنسانية.
كان العمل جريئًا في طرحه، وقد واجهنا بعض الضغوط، حتى وصل الأمر إلى تلقي رسائل تهديد، لكننا أصررنا على تقديمه لأن الفن الحقيقي لا يخشى مناقشة القضايا المهمة.
قدمت في العمل شخصية رئيسية، ونال العمل تقديرًا، وحصلت من خلاله على جوائز، وهو من الأعمال التي أعتز بها في مسيرتي.
السؤال السابع عشر:
بعد كل هذه السنوات من العطاء، كيف تنظر إلى مستقبل الفن العراقي؟ وما الرسالة التي تود توجيهها للجيل الجديد؟
طه علوان:
أتمنى أن يحصل الفن العراقي على الاهتمام الذي يستحقه، وأن تكون هناك رؤية ثقافية حقيقية تدعم الفنان وتحافظ على المنجز الفني العراقي.
رسالتي للشباب أن يجعلوا الفن مشروعًا قائمًا على الثقافة والوعي، وألا يبحثوا عن الشهرة السريعة فقط. الفنان الحقيقي يبقى بما يقدمه من قيمة وأثر، وليس فقط بما يحققه من انتشار.
سؤال الثامن عشر
-بعد مسيرة طويلة بين المسرح والتلفزيون والسينما والإذاعة، كيف تحب أن يبقى اسم طه علوان في ذاكرة الجمهور؟
طه علوان
أتمنى أن يتذكرني الجمهور كفنان قدم أعمالًا صادقة، وكإنسان احترم هذه المهنة وأخلص لها.
الفنان يعيش من أجل أن يترك أثرًا في ذاكرة الناس، وهذا هو النجاح الحقيقي الذي يبقى بعد مرور السنوات.
في مسيرة الفنان طه علوان تتجسد حكاية جيل كامل حمل الفن بوصفه رسالة ومسؤولية، وليس مجرد مهنة أو حضور أمام الكاميرا. تجربة امتدت لعقود، قدم خلالها شخصيات متنوعة، وأسهم في توثيق مراحل مهمة من تاريخ العراق وذاكرته الاجتماعية.
من خلال حديثه، يطرح طه علوان قضايا تتجاوز تجربته الشخصية لتلامس واقع الفنان العراقي عمومًا؛ من ضرورة حفظ المنجز، إلى أهمية وجود مشروع ثقافي يدعم الإبداع، ويحمي الهوية الفنية العراقية.
وبين ذكريات الزمن الجميل وتحديات الحاضر، يبقى الفنان الحقيقي هو من يترك أثرًا لا يزول، وتبقى أعماله شاهدة على مرحلة وعلى إنسان آمن بأن الفن ذاكرة وطن.
ومني انا الاعلامية هدى زوين أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الفنان الكبير طه علوان على رحابة صدره وصراحته وعمق رؤيته التي شاركنا بها خلال هذا الحوار. لقد كان الحديث معه ممتعًا وشيقًا، يحمل الكثير من الذكريات والتجارب الإنسانية والفنية التي تعكس مسيرة فنان ترك بصمة واضحة في تاريخ الفن العراقي.
كل التقدير لهذا الفنان الذي حافظ على احترامه للمهنة، وتمسك بقيمة الفن ورسالته، وشاركنا رؤيته حول واقع الدراما العراقية وتحديات الفنان، متمنية له دوام الصحة والعطاء، وأن تبقى أعماله حاضرة في ذاكرة الجمهور ومحبي الفن.
#سفيربرس _حوار: الإعلامية هدى زوين





