الحب وتأثيره النفسي .بقلم : غالية اسعيد

# سفيربرس

إحساسٌ ممتع يُداهم حياتك الرتيبة فجأةً، نبضاتٌ جديدةُ الإيقاع تتدخل على معزوفاتِ قلبك، حواراتٌ وأسئلة كثيرةٌ لا تجد لها أجوبة مُقنعة تتمحور في طياتِ عقلك، نوباتٌ مُريبةٌ من الفرح، الخوف، السعادة، الغموض، الروعة … تنتابك وتنسلُ إلى جسدك في فتراتً أنت نفسك لا تدري كيف؟ ومتى؟ ولا أين حدثت …
الحُب … كلمةٌ من حرفين ولكنها تحمل رحلة حياتك شهيق فرحك وزفير ألمك، إنها بداية إعلانٍ قسري ربما على ولادة روحٍ جديدة داخلك، قد تقف فيها وأمامها حائراً تارةً، متردداً تارةً، راضياً تارةً أخرى …
فيه تغن الكثير من الشعراء والأدباء والفلاسفة وعامة الناس حتى، ووصفوه بأجمل الكلمات والحالات والمشاعر.
الحُب أقوى العواطف لأنه أكثرها تركيباً (سبنسر) وما قاله أيضاً: الحُب جحيم يُطاق. والحياة بدون حب نعيمٌ لا يطُاق (كامل الشناوي)، وقيل فيه: الحُب سلطان ولذلك فهو فوق القانون.
إذاً كيف يخلق الحُب؟ وماذا يفعل بنا نفسياً وجسدياً وعقلياً؟ رافقني عزيزي القارئ بين هذه الكلمات والسطور لنشدو حديثاً طالما اشتقنا إليه، وفزعنا منه، وهربنا إليه …
في البداية لابد من تعريف الحب ، خصوصاً أنه من المفاهيم الجدلية، فالاختلاف حوله يتراوح بين من رفعه لمستوى أسمى حالة إنسانية ، ومن أنزله إلى مستوى مرضٍ نفسي يجب أن يتخلص الإنسان منه، ونفس الإختلاف موجود بين علماء النفس، لكن خلال بحثي العلمي توصلت إلى أنَّ الحب يعتمد على اضطراب الشخصية أو سلامته لدى العاشقَين، فباختلاف شخصيتهما أو اضطرابهما يختلف الحب وهذا ما جعل بعض العلماء يسمونه مرض نفسي وآخرون يسمونه تسامي روحي، لكن التعريف العام للحب بغض النظر عن ماهيته هو التعلق القلبي الشديد بشخص معين دون سواه.
كيف يبدأ الحُب؟
بينت دراسات علماء علم النفس أن الحب يبدأ بالتشابه ويستمر بالاختلاف وانتبه هنا عزيزي
(الاختلاف وليس الخلاف)، فالإنسان يميل الى من يشبهه:” إنّ الطيور على أشكالها تقع” وكلما زاد التشابه أصبحت عملية الإنجذاب أسهل وتعمقت المشاعر أكثر، لكن بعد هذه المرحلة ما يجعل الحب مشتعلاً هو الاختلاف (طبعاً الاختلاف المكمل وليس الاختلاف المنفِّر) وهذا ما تغفل عنه بعض النساء اللاتي يقُلن: عملت كل شيء له لكنه انجذب لإمرة أخرى” فهي ربما نست شخصيتها وحاولت تتلبس شخصيته لدرجة أصبحت فقط تحب اللون والطعم والمذاق الذي يحبه هو وهذا يُدخل الملل في العلاقة. .
وهنا يجب الانتباه الى أن الاختلاف جميل بشرط أن نشارك بعض في اختلافاتنا ولا نسخر منها أو نقلل من شأنها فهذا خطر آخر يهدد استمرار الحُب.
عندما تقع في الحب: يحدث الحب بسرعة فالدماغ بحاجة من دقيقة إلى أربع دقائق ليقرّر إذا كان منشداً فعلاً للشخص الذي أمامه أم لا، وفي حالة الحب يكون الإنفعال الجسدي أقوى بكثير من الإنفعال الكلامي، وحسب الدراسات فإنّ الانجذاب بالدرجة الأولى يكون للجسد ويأخذ نسبة 55%، ونبرة الصوت تحتل 38%، بينما الكلام يأخذ حوالي 7%، وعندما تقع في الحب فإنّ دماغك، يرسل إشارات تفرز مواد كيميائية تؤثّر على جسدك فتشعر، بالعرق الغثيان، والأرق، وفقدان الشهية، وقد أثبتت فحوصات الرنين المغناطيسي، أنّ الشخص عند وقوعه في الحب فإنّ القشرة الأمامية المخية تتجمد، وهذه القشرة مسؤولة عن الحكم والنقد، أي أنّ الحب لا يحمل المحاكمات، ومن الممكن أن يدمن الرجل على الحب، بفعل الناقل العصبي، الذي يعمل على تقوية العطف والحنان لدى الرجل، وعندما يقع الشخص في الحب، يحب رائحة من يحب، وعندما يمسك الشخص يد من يحب، فإن مشاعر التوتر تقل، وسيشعر بالراحة بفعل هرمونات يفرزها الدماغ، ومن الممكن أن الشخص الواقع في الحب يفقد أصدقاءه المقربين والأنانيين، لأنّه لن يجد وقتاً كافياً لقضاء الوقت معهم، وهم لن يقدروا ظروفه.

كيف تعرف إن كنت قد وقعت في الحُب؟ هذا السؤال دائماً ما يطرحه كل من يشعر بشيء غريب داخل جسده، ولم يحدث من قبل، فيتسائل هل هذا حدث لي بسبب الحُب؟ دعني أجيب على هذا السؤال ببعض من الكلمات الواضحة والبسيطة والتي ستحدد لك إن وقعت بحق بالحب أم أنها محظ مشاعر إعجاب فحسب.
عندما تدلك عيناك إلى أحدهم، وتشعر بأن نبضات قلبك قد ازدادت بدون انتظام، وتشعر كذلك بحالة مشابه للغثيان في معدتك ولكن ليس مزعجاً بل جميلاً، وتشعر كذلك بأنك قد بدأت تُفكر طيلة الوقت بذلك الإنسان، وحتى أنك ستلاحظ أن عدد ساعات نومك قد قلّت بشكل كبير، إضافة إلى أن السعادة تغمرك عندما تكون قريباً من ذلك الشخص، وأن العكس صحيح عندما تبتعد عنه، فهذه الإشارات كلها تجتمع لتؤكد لك بأنك في بداية حالة من الحُب، وهذه ليست سوى البداية فقط.
قيل فيه (الحُب كالحرب من السهل أن تشعلها. من الصعب أن تخمدها) أظنه تشبيه بليغ نوعاً ما أليس كذلك؟ وهنا سؤال يستوقفني أنا وأنت عزيزي، هل الحب هو ذاته الاهتمام؟ أم أن كلاً منهما حالة مختلفة عن الأخرى؟ أم أنهما حالة لشعور واحد يسكن الروح؟
لا يختلف اثنان على أنّ الاهتمام يعتبر بمثابة ترجمة فعليّة وحقيقة لوجود مشاعر حبّ قويّة بين الطرفين ، كما يُصنّف على أنّه أحدُ أهمّ العلامات التي تنذر بوجود الحبّ ، حيث هناك علاقة طرديّة قويّة بين كلّ من الحبّ والاهتمام، تتمثّلُ في أنّه كلما زاد حجم الحبّ زاد معدّل الاهتمام بين المحبّين، علماً أنّ أشكال الاهتمام لا يمكنُ حصرها في جانب واحد، فالغيرة على المحبوب تعدّ اهتماماً، والمساندة في أوقات الشدّة، والمشاركة في أوقات الفرح، والتقرّب قدر الإمكان من محيط الأحباب، والسعي نحو إسعاد الآخر وحشد الجهود نحو تحقيق ذلك، لاسيما أنّ الاهتمام عنصرٌ مهمّ جداً لاستمرار وديمومة العلاقات، حيثُ يحافظ على قوّة العلاقات، ويزيدُ من مستوى التواصل بينهم، ولاننسى أنّ مشاعر الحبّ شأنها شأن كافّة المشاعر الإنسانية تحتاجُ إلى تغذية مستمرّة يُطلق عليها حرفيّاً اسم الاهتمام، إلى جانب كلٍّ من الاحترام، والتقدير، والدعم النفسيّ والمعنويّ، والأمان في العلاقات والابتعاد كلَّ البعدِ عن الخيانة والغدر.
إذاً الاهتمام هو رديف الحُب ومكمل له وبدونه الحُب يفقد روحه ومعناه في القلب، فالاهتمام هو طوق النجاة للحُب وهو المُدمر القاتل عند غيابه.
وهنا قد نصل إلى شيء بسيط جداً من التوضيح لما يحصل لنا عند دخولنا هذا العالم الساحر الغامض، السهل الممتنع، وهنا الإشارة عزيزي أن الحب معدي للأشخاص الآخرين، فعند الاهتمام والعطف على أحدهم، تنتقل هذه مشاعر إلى الآخرين، حيث يسعون إلى مقابلة العطف والاهتمام بصورة أفضل وأكبر.
وتذكرأنه لا يوجد للحب وقت محدد، وفي النهاية الحُب هو الزرق العظيم من الله الذي لايهبه إلى كل البشر، وفيه أعظم من قال عن الحب الرسول محمد عليه الصلاة والسلام بحبه لسيدة خديجة رضي الله عنها فَقَالَ: (إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا).
فإن رق قلبك فاستمع إليه وأحسن معاملة مع اختاره لك واغتنم هدية السماء إليك.

# سفيربرس  _ بقلم : غالية اسعيّد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *