فايزة الحلبي في ثقافي أبو رمانة .. تحوير تعبيري شديد للوجوه والعيون.. بقلم : الناقد التشكيلي أديب مخزوم

#سفير_برس

بدأت الفنانة التشكيلية فايزة الحلبي حياتها الفنية برسم الشخوص والوجوه وغيرها، بصياغة أقرب إلى الواقعية التعبيرية، وهذا ما شاهدناه بوضوح في لوحتين شاركت بهما في معرض الإحتفاء بجبران خليل جبران، الذي نظمته في صيف عام 2018 في دمشق وطرطوس، ثم بدأت لوحاتها تميل نحو التحوير التعبيري الشديد المقروء في ملامح الوجوه وتعابير العيون، بخطوط مختزلة وصريحة وتلقائية وعفوية .
ولقد وصلت في معرضها الفردي، الذي استضافه المركز الثقافي العربي في أبو رمانة، تحت عنوان:” امرأة من ذاكرة ولون” إلى جوهر التعبير الذاتي عن الأحاسيس والانفعالات الداخلية العميقة، الشيء الذي يؤكد علاقة لوحاتها بثقافة فنون العصر ، التي جعلتها تشق طريقا، نحو ملامح الحداثة التعبيرية الإنفعالية ، المتداخلة في بعض لوحاتها مع الخلفيات التجريدية والعناصر الأخرى، والتي جاءت بشكل عفوي بعد سلسلة تجاربها المتواصلة ،التي زادت قناعتها بضرورة تأكيد خصوصيات البحث الأسلوبي والجمالي والتقني والتعبيري .
وتتشكل في تداعيات وجوه لوحاتها هموم لا تحصى وأوجاع لا تنتهي ، وتلك الوجوه مستمدة من بيئتها وواقعها، ومن ثنايا الأزمنة والحزن المزمن ، حيث تستعيدها مراراً في لوحاتها ، وبطريقة تبتعد فيها عن المنطق التسجيلي ، بقدر أقترابها من الأداء التعبيري الحركي الإنفعالي .
هكذا تتنقل موضوعاتها بين اللقطات البائسة للوجوه، ومشاهد تعبيرية متنوعة لعناصر اخرى ، ولأنها تنقل لنا في أحيان كثيرة معاناة البؤساء ، تبدو موضوعاتها ، وكأنها عنصر مكمل للبؤس والعذاب الإنساني ، والتي تجسد من خلالها إيقاعات اللون، واندفاعاته العفوية وتداخلات الخطوط وتحريفات الوجوه بعنف تعبيري واضح .
وعلى الصعيد التقني تبرز الكثافة اللونية التي تصل إليها في أحيان كثيرة باستخدام العجائن الرملية ، وذلك للوصول إلى تشكيل جديد ،أكثر تحرراً وأشد عفوية وتلقائية وارتجالية وحداثة ، فقد أصبحت تتفاعل مع رغبات تحوير الشكل الواقعي، والتعبير عن هواجسها بحركات خطية مباشرة تفجر الأحاسيس المدفونة ، كل ذلك في خطوات تحوير الوجوه ، وإبراز قوة التعبير في ملامحها ، وإيجاد المزيد من الحوار الثقافي البصري، وتفهم خصائص وجماليات الفنون الحديثة والمعاصرة ، والتركيز على اللوحة المرتبطة بقضية الانسان، في مرحلة مصيرية مفصلية وحاسمة .
وفايزة تعمل في لوحاتها الجديدة، على تنويع المفردات التشكيلية، وتحريكها بصياغات بصرية ، تستعرض تلك العلاقة الحميمية القائمة بين اللون والخط والحركة والملامس الكثيفة، لتكشف أمامنا نتائج اختبارات تجربة فنية، تتعامل مع الرموز ، ضمن هاجس إبراز التضاد بين الشفافية والكثافة، وبين السكون والحركة.
وهي تتدرج في معالجة الوجوه ، ما بين الإقتراب من الواقعية والإبتعاد عنها، دون أن تكون واقعية في كل حالاتها وتنقلاتها، وبذلك تبرز الإشارات أو المدلولات التشكيلية المعبرة عن تموجات الحالة الداخلية الانفعالية ، التي تعني في النهاية تجسيد المختصرالمفيد ، والتنويع والتبسيط ، والتركيز في كل لوحة على حدة،على ايقاعات الألوان المتقاربة وتدرجاتها .
وفي جزئيات لوحاتها الجديدة، نلمس خلاصة خطوطها وعناصرها التشكيلية، حيث تصوغ أشكالها بحركات خطية ولونية متزايدة الجرأة، وقائمة على ثقافة بصرية، كما تمزج ألوانها لتحصل على اللون المركب المطلوب، الذي يتألق من خلال الإضاءة المتدفقة في فسحات اللوحة، والمساحات المضاءة تزيد من حدة المساحات الخافتة ، وتربط بين تكاوين العناصر والوجوه المتداخلة أحياناً مع البيوت القديمة والسمكة والطير والتفاحة والعناصر الأخرى .
هكذا ترتكز فايزة الحلبي في كل مرة على حركة عاطفية وتطلع ذاتي في بناء اللوحة. وتبدو مخيلتها اللونية والتقنية متجهة بقوة لإيجاد علاقات جمالية مرتبطة أشد الأرتباط بثقافة فنون العصر، لما تحتويه من عفوية في فرش الرمل الناعم، وتركيب طبقات اللون، وتعنيف حركة الخطوط واللمسات اللونية التلقائية، وهذه الرؤية الحديثة والمعاصرة، في التشكيل والتلوين، التي تعالج بها مواضيعها واشكالها الإنسانية وخاصة الوجوه، أدت إلى تغيير نظرتها من الواقعية، نحو اضفاء اللمسات الذاتية، وتبدو في هذه الاعمال، راغبة بالعودة إلى ذاتها، وإلى العفوية التي تقربها من العصر، والتكوين التحويري الذي تعتمده، هو لغة وثقافة حديثة لفن الواقع، وهو الأكثر عفوية وتلقائية وانفعالية .
وهي تركز لإظهار الحركات الخطية التي تتوافق والحضور اللوني العفوي، والعجائن اللونية المكثفة في اللوحة، بحيث تتداخل الخطوط اللونية والمساحات التشكيلية بتلقائية شديدة العفوية وبإندفاع عاطفي ووجداني ، بعيد كل البعد عن أية صيغة تسجيلية أو تزيينية أو حتى هندسية (بمعنى الهندسة المستوية أو الفراغية المحكومة بمعادلات وأرقام رياضية ) رغم بروز بعض التكعيب ، والتشكيل الهندسي ( مستطيلات ، مربعات، دوائر، أقواس وغيرها ) .
هكذا تتجه في أعمال معرضها ( لوحات بقياسات متوسطة وصغيرة – مواد مختلفة على كانفاس ) نحو الإختصار والإختزال والتحوير وبعض التشكيل الخيالي، مع إضفاء الكثافة في وضع الرمال وطبقات اللون وتركيب اللمسات والحركات اللونية والتشطيب، الذي يجعل سطح اللوحة ، في أحيان كثيرة، أقرب إلى الجدار القديم، وفي هذه الحالة تنطلق من مشاعر تلقائية وغنائية ووجدانية فتقدم الوجوه بشكل خاص بعفوية تصل الى حدود التعبيرية الدرامية احياناً .
وعلى هذا تصبح عناصر الوجه ” البورتريه” في لوحاتها مدخلاً للتفاعل مع معطيات الثقافة العصرية، والذهاب أبعد من الإشارات أو المظاهر الخارجية، للوجه، في خطوات الوصول إلى الصياغة الفنية الحديثة في اتجاهاتها التعبيرية ، المنطلقة من الواقع الحياتي المشحون بالاضطراب والعنف والتوتر، لتجسيد الموضوع بمنظور مغاير لما تراه العين في الأبعاد الثلاثة .

#سفير_برس – بقلم : الناقد التشكيلي أديب مخزوم

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *