الحياة الغامضة لطيور البحر..إعداد: م. إبراهيم عبدالله العلو.

#سفيربرس

قضى العلماء عقوداً عدة وهم يحاولون تفهم الطرق الغامضة لطيور البحر وأنجزوا ذلك عبر تتبعها. وبفضل تحسن التكنولوجيا وخفة أوزان الأجهزة تمكن العلماء من تجميع معلومات لم نكن نحلم بها من ذي قبل ولا تزال مثار دهشتنا لغاية اليوم.

طائر الفرقاط

سفيربرس ـ طيور الفرقاط

ينفصل زوج من النوارس على الأرض المهجورة الشديدة البرودة في كندا القطبية أحدهما يتوجه إلى البيرو بينما يذهب الآخر إلى جنوب أفريقيا ثم يعودا ليلتقيا مجدداً في الموسم التالي في كندا. ومجرد معرفتنا بهذه الحقيقة وتأكيدنا لها بدقة مطلقة شيء مذهل وهذه واحدة من القصص العديدة الممتعة في كتاب “بعيداً عن الأرض، الحياة الغامضة لطيور البحر”.
حر مثل طائر-من منا لم يرغب ولو لمرة واحدة في حياته لو كان بإمكانه الإحساس بذلك الشعور؟
ثمة أشياء قليلة تماثل في رومنسيتها طيور البحر. تراها على الشاطئ ومن ثم تختفي تطير فوق المحيطات التي تبدو بلا نهاية. إلى أين تذهب؟ ولماذا تعانق المياه الباردة القاسية بكل نشاط؟
لم نعلم حتى عهد قريب لا يتجاوز بضعة عقود الكثير عن الأوقات التي تقضيها هذه المخلوقات الرائعة بعيداً عن الأرض. ولكن العلم الحديث أجاب على العديد من التساؤلات المثيرة المتعلقة بها. ويمزج الدكتور مايكل بروك في كتابه السلس المبهر عالم الرومانسية بالعلم بعد أن ظننا أنهما قد لا يلتقيان.
تقرأ الكتاب وكأنك تطوف بحكايا الحواري وتستطلع قصصاً من الأراضي البعيدة أشد البعد وكأنها تحكي لك عن مخلوقات خرافية، ابتداء بخطاف البحر القطبي الذي يطير 40000 كيلومتر كل عام إلى القطرس الذي يتمكن من الدوران حول الكرة الأرضية خلال 46 يوماً، ويصرف أثناء تلك العملية قليلاً من الطاقة نسبياً، إلى طيور البفن الفاتنة التي تعشعش بعيداً عن اليابسة لتتجنب الضواري. ولكن هذه القصص حقيقية ولم تُفسّر بسهولة.
قضى العلماء عقوداً عدة وهم يحاولون تفهم الطرق الغامضة لطيور البحر وأنجزوا ذلك عبر تتبعها. تكون الطيور غالباً خفيفة الوزن ولا يمكن ربط معدات ثقيلة بأجسادها. وللوهلة الأولى تمكن علماء البيولوجيا من تتبع الطيور البحرية الأكبر حجماً. ولكن بفضل تحسن التكنولوجيا وخفة أوزانها تمكن العلماء من تجميع معلومات لم نكن نحلم بها من ذي قبل ولا تزال مثار دهشتنا لغاية اليوم.
وهذا الكتاب سلس المطالعة ولا يحتاج لتخصص عالي لتتمكن من تقديره ولا يتطلب من القارئ معرفة مسبقة بالبيولوجيا. ولكن ذلك لا يعني أن المواضيع المنثورة في طياته بسيطة للغاية. يكتب مايكل بروك متحصناً بخبرة ومدارك عالم بيولوجي ولكن تفهمه ومهاراته الإبداعية تجعل الكتاب ممتعاً وسهلاً. ويضم الكتاب مسرداً مفصلاً لكل فصل على حدة يوضح المراجع المعتمدة لمن يرغب بالاستزادة من المعرفة بطيور البحر.
وسنعرض هنا لبعض مقتطفات من ذلك الكتاب الرائع:
يقول الدكتور بروك: كانت طيور البحر مواضيع محيّرة عصية على الدراسة فهي تقضي معظم حياتها تجوب المحيطات المفتوحة وتنسج أعشاشها على جزر نائية بعيداً عن أعين البشر. ولكننا تمكنا بفضل الابتكارات الحديثة من ربط أجهزة خفيفة الوزن صغيرة الحجم بالعديد من الأنواع مما منحنا نظرة جديدة بالكامل لسلوكها وتنقلاتها. وهنا نعرض بعضاً منها:

طائر القطرس

سفيربرس ـ طائر القطرس

1-يستطيع طائر الفرقاط الطيران أثناء النوم، حيث يتمكن من البقاء سابحاً في الفضاء فوق البحار الإستوائية المفتوحة لمدة أسبوع أو أكثر و يكتسب الارتفاع فوق التيارات الدافئة المتصاعدة ويهبط ببطء قبل أن يعيد الكرة ثانية. وتبيّن لنا لدى مراقبة أنماط نومه من خلال راسم كهربائي لعمل المخ مربوط بجسده أن طيور الفرقاط الكبيرة تنام أثناء الطيران ولكن لمدة 42 دقيقة كل ليلة بدلاً من 12 ساعة عند التعشيش على الشاطئ. ويشمل ثلاثة أرباع هذا النوم “الطائر” نصف الدماغ في كل مرة. وتظهر حقيقة أن الربع الباقي يشمل نصفي الدماغ بشكل متناوب وأن النوم لا يتعارض مع الطيران المنضبط.
2- يقضي القطرس الرحال أيامه الخمسة الأولى في السباحة في البحر:
يشتهر القطرس الرحال برحلاته الماراثونية. ولكن يتعين عليه البدء في مكان ما. وتم تتبعه من جزر كروزيت في المحيط الجنوبي حيث تقضي صغار طيور القطرس الرحال حديثة الفقس الأيام الخمسة الأولى في السباحة في البحر. وتبدأ مع امتلاكها لمقدرة الطيران بفعالية بتغطية 600 كيلومتر في اليوم في المعدل وتصل إلى 184000 كيلومتر خلال السنة الأولى في البحر: أي ما يعادل الدوران حول العالم أربع مرات.
وبمساعدة بنية هيكل تسمح للأجنحة المنبسطة “بالقفل” في موضعها يكون نبض القطرس الرحال السابح (حوالي 80 دقة في الدقيقة) أسرع قليلاً من معدل نبض الطيور المستريحة فوق الماء (حوالي 60 دقة في الدقيقة) وبذلك تتمكن من قطع مسافات كبيرة من دون استهلاك الكثير من الطاقة.

طائر الأطيش

سفيربرس ـ طائر الأطيش

3- تصحب آباء طيور المور الثخين المنقار صغارها من البحر.
عندما ينبت ريش فراخ طيور المور تقفز من جرف التعشيش وتكون بحجم ثلث الطائر البالغ. ويصحبها الآباء في رحلتها الأولى إلى البحر. وتم تتبع تجمع للفراخ والآباء من مستعمرة غرب غرينلاند لمسافة 3000 كيلومتر.
يسود الاصطحاب الأبوي أيضاً لدى طيور المور الشائعة وطيور المناقير الحادة كالشفرة وربما حدثت لدى طيور الأوك العظيمة المنقرضة.
ولكن لماذا يتولى الذكر عوضاً عن الأنثى تلك المهمة؟ يبقى هذا السؤال من دون جواب.
ويتم الحفاظ على الإتصال خلال الرحلة عبر النداء والنظر. ولكن ربما تمر حالات يخشى خلالها الفرخ الغر الذي يواجه دوامة هائجة من المياه المالحة للمرة الأولى ويشعر بالرعب من فقدانه الإتصال بحبل حياته أي أبيه.

طائر الكروان

سفيربرس ـ طيور الكروان

4-يستطيع طائر الكروان (ويمبرييل) الطيران عبر عين العاصفة. واجهت أنثى طائر كروان تدعى “هوب” Hope (أي أمل) أثناء هجرتها على امتداد الساحل الشرقي لأميركا الشمالية في خريف عام 2011 العاصفة الاستوائية جيرت قرب نوفا سكوتيا. ولكنها لم تخشى العاصفة ودخلتها بسرعة أرضية بلغت 12 كيلومتراً في الساعة. وبعد أن اجتازت عين العاصفة خرجت-أو قُذفت-بعد 72 ساعة بسرعة 150 كيلومتراً في الساعة، وغيّرت مسارها مباشرة وبدأت بالخطة ب، وهي مسار هروب إلى كيب كود على شاطئ ماساتشوستس.
تظهر الدراسات الحديثة مرة تلو أخرى أن الطيور البحرية لا تنحشر وتنطرح وتبتعد بفعل الرياح. وبدلاً من ذلك قد تستخدم أنماط الريح السائدة لمصلحتها وعند الضرورة تتعامل مع ظروف الطقس المتطرفة. وحتى عندما تخرج الأمور عن السيطرة تمتلك خطة بديلة كما تظهر حالة “هوب” وتغييرها للمسار.
5-لا تتداخل موائل الطعام لدى طيور الأطيش الشمالية حتى عند تقارب المستعمرات. تزين مستعمرات طيور الأطيش الشمالية شواطئ بريطانيا وإيرلندا وتكاد لا تبتعد عن بعضها البعض 30 كيلومتراً، ولكن الطيور من المستعمرات المجاورة تستخدم أماكن إطعام منفصلة.
يتواجد نموذج مذهل لذلك السلوك غرب إيرلندا. حيث تتواجد هناك مستعمرتان، الأولى وتدعى “ليتل سكيليج” وتتألف من 29700 زوج من الطيور والأخرى على بعد 30 كيلومتر نحو الجنوب وتسمى بول روك وتتكون من 3700 زوج. تتجه طيور “ليتل سكيليج” غالياً بالاتجاه الشمالي الغربي بعيداً عن مستعمرة بول روك المجاورة والتي تقع على الأرض الأيرلندية بينما تتجه طيور بول روك نحو الجنوب. وربما نشأ هذا النمط لأن الطيور تستكشف أفضل أماكن التغذي من خلال تتبع طيور الأطيش الأخرى التي تغادر مستعمرتها وخاصة صغار الأطيش التي تتبع الكبار.

البطريق

سفيربرس ـ طيور البطريق

– – 6تستطيع أزواج نوارس سابين المتزاوجة الالتقاء من جديد بعد الفراق عبر مسافات هائلة. عشعش زوج من النوارس سوياً في المنطقة القطبية الكندية ولكنهما قضيا الشتاء الشمالي بعيدين عن بعضهما البعض، حيث بقيت الزوجة حول تيار همبولت قرب البيرو بينما قضى الزوج الوقت قرب تيار بينغويلا في جنوب أفريقيا ثم التقيا مجدداً في الربيع التالي في الشمال الكندي.
ويثير هذا الاكتشاف الاستثنائي، والذي تم بفعل وضع مجسات مكانية خفيفة الوزن على سيقان الطيور، أسئلة رائعة عن كيفية توريث عادات هجرة الطيور من الأبوين إلى الصغار حتى عند افتراق الأبوين على مسافات متعاكسة خارج فصل التزاوج.
– 7يعتبر البطريق الإمبراطور بطلاً في الغطس بين الطيور البحرية، حيث سجّل أقصى عمق غطس بـ564 متراً وأطول مدة للبقاء تحت سطح الماء بزمن قدره 21.8 دقيقة. وهذا ليس بمستغرب على البطاريق فهي أكثر الطيور البحرية نجاحاً في الغطس. وتسجّل أنواعاً أخرى أعماقاً كبيرة مثل طيور المور التي تغطس عادة لعمق 100 متر وطيور جلوم الماء التي تغطس لعمق 70 متراً.
8- تستخدم البطاريق الهواء الموسع لتخرج من البحر.
دعنا نفكر بمدى الخجل الذي يعتري البطريق الإمبراطور عندما لا يقفز بما يكفي أثناء خروجه من الماء. فهو يرتطم بالجليد ومن ثم بالبحر ثانية حيث تتربص به ضواري عجول البحر الرقطاء. لذلك يصبح من الأهمية بمكان أن يعدل البطريق سرعة خروجه بحسب سماكة الجرف الجليدي. تأتي معظم السرعة التي يخرج بها البطريق من الماء من توسع الفقاعات الهوائية المحبوسة ضمن ريشه. ومع انبثاق الطائر إلى السطح وانخفاض ضغط الماء يولد هذا التوسع طوافانية متزايدة إلى أن يخرج الطائر وكأنه مثل سدادة فلينة انفصلت عن زجاجة إلى السطح. وكلما كان العمق الذي يبدأ منه الصعود أكبر كلما ارتفعت سرعة الخروج.

عالم الطيور عالم رومانسي جميل
9 – تخاطر طيور الأطيش الشمالية بالارتطام بتوربينات الهواء أثناء الصيد.
عندما تنتقل طيور الأطيش من نقطة إلى أخرى تطير على ارتفاع 11 متراً فوق البحر ولكنها تصعد إلى 26 متراً عندما تدخل في وضعية البحث قبل الانغماس. وقد تبدو تلك حقيقة مضمرة ولكنها ليست كذلك في واقع الحال. ففي المياه البريطانية تنص التشريعات على ألا يقل ارتفاع مراوح توربينات الهواء المركبة في البحر عن 22 متراً. ولذلك تكون طيور الأطيش في مأمن من دوران الشفرات أثناء التنقل، ولكنها تصبح في خطر ماحق إذا بدأت بالبحث عن الأسماك ضمن حرم مزرعة رياح.
-10 تغادر طيور النوء إلى أمريكا الجنوبية عندما لا تحضن البيوض.
تتناوب طيور “نوء مورفي” على حضن بيوضها بين الذكر والأنثى في ورديات. وعندما تكون مستريحة لمدة 20 يوماً خلال الحضن، يستطيع طائر النوء من مستعمرة على جزيرة هندرسون في جنوب المحيط الهادي إكمال دورة لمسافة 15000 كيلومتر نحو أميركا الجنوبية ويبتعد إلى مسافة قصوى عن موطنه بأكثر من 4500 كيلومتر.
وعادة تنتقل طيور البحر بعيداً عن المستعمرة خلال فترة الحضانة أكثر من فترة إطعام الفراخ لأن زمن التنقل محكوم بالحاجة لزيارة الصغار بشكل متكرر. وتعتبر طيور “النوء مورفي” واحدة من الأنواع المحمية المتناسلة من قبل “بيرد لايف” في مشروع راهن.
لذلك يمكننا رؤية مساهمة التكنولوجيا الحديثة في الكثير من المعلومات التي تتجاوز مكان تجمع الطيور البحرية. وعلى أهمية ذلك الأمر في تحديد الأماكن البحرية التي يتوجب حمايتها، تخبرنا أجهزة التتبع ما هي الطرق التي تفضي بها عادات طائر ما إلى التهلكة وأفضل الطرق لحل تلك المشاكل. وبعيداً عن ذلك كله تلقي الضوء على دوافع سلوكياتها المتفردة والآسرة وتحفزنا على أهمية الحفاظ على ذلك التنوع البديع.
يشار إلى أن مؤلف الكتاب الدكتور مايكل برووك حائز على دكتوراه في علم الطيور البحرية من جامعة أوكسفورد وقام بأبحاث في جامعتي أوكسفورد وكامبردج. له العديد من المؤلفات والأبحاث ويدرّس حالياً في قسم علوم الحيوان في جامعة كامبردج بالإضافة إلى عمله قيماً على متحف الجامعة.

سفيربرس ـ إعداد: م. إبراهيم عبدالله العلو.

المصدر:
www.birdlife.org

كتاب “بعيداً عن الأرض: الحياة الغامضة لطيور البحر” للدكتور مايكل بروك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *