كتبت الدكتورة: آداب عبــد الــهادي … صحتنا العقلية في مهب الريح

#سفيربرس

أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الخميس الماضي 14/5 ضمن فعاليات الدورة الثالثة والسبعين من مؤتمرها السنوي لجمعية الصحة العالمية في جنيف، تقريرها السنوي المتعلق بالصحة النفسية في دول العالم وأفاد التقرير إلى أن انتشار وباء كورونا كشف عن عقود طويلة من الإهمال وقلة الاستثمار في معالجة احتياجات الصحة النفسية للناس ودعى الدول إلى تبني التزامات طموحة بشأن طرق علاج الأمراض النفسية وسط ارتفاع عالمي محتمل في حالات الانتحار وتعاطي المخدرات.
كما وضح التقرير بشكل مفصل نسب الإصابات العقلية بالعالم، والاضطرابات النفسية بما فيها القلق والاكتئاب والكرب، حيث بلغ عدد المصابين بالاكتئاب خلال هذا العام 264 مليون شخصا على مستوى العالم وفي دراسة استقصائية على سكان العالم أظهرت الدراسة زيادة نسب انتشار الكرب بين السكان وجاءت ايران في المرتبة الأولى بالعالم من حيث انتشار الكرب بين مواطنيها وبلغت نسبة الاصابة 60 % وتلتها الولايات المتحدة الامريكية بنشسبة 45% وبالمرتبة الثالثة الصين بنسبة 35%
وإن دلت هذه الأرقام على شيء فلا تدل إلا على الضعف العقلي المتزايد بين سكان العالم حسب تلك الدراسة وأيضا الإهمال الملحوظ في تقديم خدمات الصحة النفسية للسكان على مستوى العالم، ومن هنا دعت الأمم المتحدة، الدول كافة لإعطاء الأولوية للصحة النفسية أثناء مواجهة الفيروس، لأن الصحة النفسية للناس تأثرت بشكل كبير جدا جراء انتشار كورونا وبعض الصراعات الأخرى على مستوى العالم، وأكدت تقارير الأمم المتحدة أن هناك أزمة حقيقة تواجهها الصحة النفسية للسكان على مستوى العالم وبحاجة قصوى لمعالجتها وفي أسرع وقت، وأرود تقرير الأمم المحدة بعض النقاط لتقوم الدول بالاستعانة بها بهدف التقليل من المعاناة الشديدة بين ملايين المواطنين والحد من التبعات الاجتماعية والاقتصادية طويلة الأمد على المجتمع، ومن هذه النقاط معالجة مشكلات قلة الاستثمار المزمنة في الخدمات النفسية وتوفير خدمة طوارئ الصحة النفسية عبر معالجيين عن بعد، كتقديم الاستشارات الهاتفية للعاملين في الخطوط الأمامية لمواجهة فيروس كورونا في القطاع الصحي والعمل على نحو استباقي مع من يعانون من الاكتئاب والقلق ومن يواجهون العنف المنزلي والفقر الشديد.
صراحة لم يأتي تقرير الأمم المتحدة صادما للكثيرين من العاملين في المجال النفسي والاجتماعي في العالم العربي، لأن التعامل الرسمي من قبل المعنيين في دولنا العربية لا يرقى إلى المستوى المطلوب، إذ أن الكثيرين يتعاملون باستخفاف مع العلاج النفسي والسلوكي والخدمة الاجتماعية، ودليلنا على ذلك عدم إيلاءها الأولوية في الخطط التي تعدها الدول والمؤسسات الرسمية العربية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإصابات النفسية والعقلية تزداد في دولنا العربية بشكل ملفت للنظر، حيث أكدت إحدى الدراسات أن شخصا واحدا من كل خمسة أشخاص مصابا بإحدى الاضطرابات النفسية، وأن سبعة بالمائة مصابون بالاكتئاب وأن عدد المصابين بالاكتئاب في العالم بلغ 300 مليون شخصا في العام الماضي، وأن هناك مليون شخص سوري على الأقل يعانون من اضطرابات نفسية شديدة ويحتاجون إلى دعم نفسي فوري وعاجل، وثلاثة ملايين آخرين يعانون من اضطرابات نفسية متوسطة الشدة ويحتاجون إلى قدر معين من الدعم النفسي، مع العلم أن عدد الأطباء النفسيين المتواجدين حاليا في سوريا لا يتجاوز السبعين طبيبا معظمهم في العاصمة.
لا أدري بعد كل هذه الأرقام والاحصائيات والتحذيرات لماذا يتم التجاهل والتعامل مع موضوع العلاج السلوكي بلا مبالاة ولماذا تصر بعض الجهات الرسمية على عدم السماح علانية باستخدام تقنيات العلاج السلوكي للمعالجين السلوكيين الحاصلين على شهادات عليا في العلاج السلوكي.
مع العلم أن الصحة النفسية هي السبيل الأول والأساسي للوصول إلى الصحة الجسدية فلا يمكن أن نتفادى الإصابة بفيروس كورونا إذا كنا مصابين بالقلق والهلع ولا يمكن أن نتفادى الاصابة بالجلطات القلبية والدماغية إذا كنا عصابيين وانفعاليين وشديدي التوتر…كما لا يمكن أن نتفادى الاصابة بداء السكري إذا لم نحافظ على اتزان وهدوء في حياتنا وحكمة في معالجة مشكلاتنا كما لا يمكننا أن ننصح بمعالجة الكولون العصبي اذا كانت شخصياتنا عصبية وانفعالية وشديد التوتر وقس على ذلك..على باقي الأمراض الجسدية التي أكد العلم أن أسبابها الأساسية هي الاضطرابات النفسية.
لاشك أن هناك بعض الأشخاص لديهم مناعة نفسية قوية، ولديهم القدرة على مواجهة المشاكل والصعوبات الحياتية، ولديهم تحدي أمام الاضطرابات النفسية لكن هناك الفئة الأكبر، الفئة الضعيفة نفسيا من الأطفال والنساء وبعض الشباب في السن بين 15 و30 سنة قد يقعون فريسة في وجه الاضطرابات النفسية، ويجدون أنفسهم عاجزين عن مواجهة حالة قلق أو اكتئاب أو لحظة كرب أو أسى، فتستفحل الحالة وتتطور إلى مرض عصابي شديد قد يلزمه المكوث في مشفى خاص للأمراض العقلية.
بالطبع مواجهة الأمراض العقلية والتمتع بالصحة النفسية من واجب الحكومات، ومن مهمات الدول البحث في أسباب المرض النفسي، البحث في سبب الاكتئاب والأسى والقلق والكرب والخوف، يعد ذلك من أهم واجبات الدولة في أي مكان…ومعرفة مالذي يزيد من قلق الشباب، على الدول أن تعمل على إزالة القلق ومالذي يزيد من اكتئاب النساء لا بد من معالجة السبب، وماهو سبب الخوف العصابي والقلق العصابي عند الأطفال، عندما نجد السبب ونعالجه فنحن نحمي مجتمعنا ونحمي السكان ونزيد من انتاجنا الاقتصادي ونرفع من شأن العلم والعلماء، وبالتالي نزدهر لنصبح في مقدمة الدول المزدهرة والحضارية
الاهتمام بالصحة النفسية والعقلية للسكان هو الدليل الأول والأخير لتقدم الدول وتحضرها ووعي السكان وثقافتهم ..ومع كل ذلك لا بد لأسر السكان الذي يشعرون باضطرابات نفسية وبغض النظر عن اهتمام الحكومات أن يتمعتوا بقدر عالي من الوعي والثقة بالنفس، وينبع ذلك حتما من مستواهم الثقافي ويطلبون الخدمات النفسية بثقة واصرار، فعندما يتهتك الجهاز النفسي وتصبح الصحة العقلية في مهب الريح حينها يمكننا القول السلام علينا وعليكم وعلى الدول كافة.

 

سفيربرس ـ بقلم : الدكتورة. آداب عبد الهادي

دكتوراه علم نفس-كاتبة وصحفية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *