هل ذهبت الطبقة الوسطى السورية مع الريح .؟.. بقلم : الدكتور خيام الزعبي

يعيش الشعب السوري أوقاتاً عصيبة للغاية على وقع الأزمة الاقتصادية الحالية، التي تعصف بالكثير من قطاعاته، وفي القلب الطبقة الوسطى التي تمثل مركزية المجتمع، مع الإجراءات التقشفية التي تفرضها الحكومة لمواجهة هذه الأزمة، في ظل تردي غير مسبوق في الأوضاع الاقتصادية لتنحسر وتتآكل أمام طوفان الحالة الراهنة.

في هذا السياق دخلت الطبقة الوسطى نفقاً مظلماً مع استمرار الحرب على سورية أثرت سلبيا على جميع المواطنين وعلى الطبقة المتوسطة بشكل خاص، فأصبح الحديث عن وجود طبقتين اجتماعيتين فقط في سورية، طبقة غنية وطبقة فقيرة.

كما تشعر شرائح الطبقة الوسطى بحالة قلق وخوف كبيرين لأنهم أصبحوا على حافة الوقوع في فخ الفقر، الذي تتسع دائرته ويلتهم سنوياً عددا من شرائح الطبقة المتوسطة، فأجور الكثيرين لم تعد كافية لتغطية نفقات كل أيام الشهـر، مما أجبر عائلات كثيرة على تغير نظام حياتها وتقليص حاجياتها المعيشية اليومية.  ولولا بقايا الدعم الذي تقدمه الدولة في الصحة والتعليم وبعض السلع الأساسية، لكان وضع هذه الفئات أكثر سوءاً، علماً أن متوسط الدخل هو أحد معايير الانتماء للطبقة الوسطى وليس المعيار الوحيد، كما أن مشكلة البطالة وازدياد أعداد العاطلين عن العمل بصورة تراكمية كان له دور كبير في هذا الواقع، وبذلك بدأت الطبقة الوسطى تفقد أهم عوامل قوتها وتميزها .

 

لعل السؤال المحير فعلاً هنا هو: هل تختفي الطبقة الوسطى في سورية؟ في تقديري أنه لا يمكن التسليم باختفاء أو موت الطبقة الوسطى، لأن ذلك يتعارض مع المنطق وتكذبه حقائق الحياة في سورية ويرصد البحث العلمي الاجتماعي ظواهر حضور هذه الطبقة وتأثيرها ومشاكلها، والأهم الانخفاض المستمر في أعدادها وفى تأثيرها المادي والمعنوي في المجتمع، وأقصد بانخفاض أعدادها أن  أعداد كبيرة من الشرائح الدنيا في الطبقة الوسطى تنخفض سنوياً إلى أحزمة الفقر، بدلاً من أن تصعد للأعلى أو تحافظ على مكانتها ضمن الطبقة الوسطى، وذلك نتيجة ثبات دخولها والانخفاض المتوالي لقيمة الليرة والغلاء والتضخم، وبالتالي إن هذا الهبوط الطبقي يعطي مزيداً من الإفقار في المجتمع، ومزيد من تركز الثروة والسلطة بيد الطبقة العليا لكن مهما حدث من استقطاب بين الأغنياء والفقراء فمن المؤكد أنه لن يقضى على الطبقة الوسطى، صحيح أن أعداد الطبقة الوسطى ستنخفض لكنها لن تختفي أو تموت.

وقد تأكد لي من قراءة تاريخنا الاجتماعي والسياسي أن الطبقة الوسطى السورية  كانت وستظل المُنتجة لقوة سورية الناعمة، وخير حافظ للهوية الوطنية، وأنها أفضل من يصون ويحمي ثوابت الأمن القومي السوري، وتلك حقيقة تتضح لنا من خلال دورها الفعال منذ قيام النهضة الحديثة في سورية إلى اليوم، فكلما أراد أحدهما أخذ سورية في الاتجاه الخطأ، ومسخ ثقافتها وهويتها، نجد أبناء هذه الطبقة ينتفضون لإصلاح الخطأ وتحقيق الأهداف والمسار الأفضل لسورية وهذا الأمر لا يخص المجتمع السوري فقط، ولكنه يجسد حقيقة اجتماعية عن دور الطبقة الوسطى  الإيجابي في كافة المجتمعات البشرية.

مجملاً…. إن كفاح الطبقة الوسطى السورية وسعي أبناؤها المستمر لتدبير حياتهم في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، دون التفريط في كرامتهم وقيمهم، يستحق جائزة نوبل في الاقتصاد، وأننا نعيش اليوم أكبر تحدٍ يواجه الطبقة الوسطى السورية في تاريخها، وهو تحدٍ يهدد وجودها وقيمها ودورها. لذلك فأن سورية بدون الطبقة الوسطى ستذهب للمجهول، لان الطبقة الوسطى هي صمام أمان أي مجتمع، ووجودها له بالغ الأهمية نظراً لما تملكه من إمكانيات بشرية ومادية وتعليمية، كما أنها هي المرشح الأبرز للمشاركة بفاعلية في عملية إعادة البناء والإعمار، ويبقى دورها الأهم هو المتصل ببناء قدرات الإنسان السوري لأنه سيكون الخيار الأنجح في صياغة المستقبل.

 

وأختم بالقول أن الطبقة الوسطى في سورية تختنق ولا تموت كونها تشكل الوعاء الأخلاقي للمجتمع، وهى قائدة عمليات التغيير لأن أعضاءها هم الأكثر وعيا وثقافة وتعليماً.

#سفيربرس ـ بقلم : الدكتور خيام الزعبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *