لماذا يستخدم البعض أسماء مستعارة في موقع التواصل الاجتماعي؟! ” سيزبف السوري Sizeef Syrian ” أنموذجاً!. بقلم : بيانكا ماضيّة

#سفيربرس

هل يختلف الهدف من الكتابة بأسماء مستعارة في الصحف، كما شاع وانتشر في أزمنة الصحف الورقيّة، عما هو في موقع التواصل الاجتماعي؟! ما الداعي لأن ينشئ البعض صفحات في هذا الموقع باسم مستعار؟! وخاصة ممن يكتبون المقالات والدراسات والأبحاث، ولديهم أفكارهم التنويرية التي يبتغون نشرها بين الملأ!.
ورغم أن الكتابة بالأسماء المستعارة تقليد صحفي قديم، إلا أن الدوافع والعوامل التي تجعل البعض ينشئ صفحة أو أكثر في موقع التواصل الاجتماعي، بدون ذكر الاسم الصريح، تختلف باختلاف الهدف الذي يسعى إليه هذا البعض، وفي مقالتنا هذه لن أتطرق إلى الأهداف الخسيسة التي تجعل البعض ينشئون صفحات لأهداف غير نبيلة وغير أخلاقية، فليس هذا هدف المقالة هذه، وإنما هدفها من أشرت إليهم سابقاً، ألا وهم المفكرون والكتّاب التنويريون.
كما لن أتطرق إلى الأدباء والشعراء والصحفيين الذين كتبوا عبر التاريخ بأسماء مستعارة، ولكل واحد منهم سبب خاص به مردّه إلى ذلك التخفّي الذي يعشقه الكاتب لتدوينه كل مايخطر على باله دون مساءلة أو محاكمة من أحد، فهذا الموضوع قد نتناوله في مقال آخر.
مايهمني في هذا المقال أن هناك أسماء اشتهرت في موقع التواصل الاجتماعي، اشتهرت للأسلوب الذي تكتب به، ونوعية المواضيع التي تتناولها، ومنها سيزيف السوري Sizeef Syrian وهو اسم لافت سعى منذ بداية الحرب إلى نشر الفكر السوري، ولايني يقدم في كل مناسبة الأصل السوري لها، ليؤكد أن سوريا مهد الحضارات والأبجدية والتاريخ. أساس موضوعاته هو التاريخ السوري، والسوريون في التاريخ، وحركة سوريا عبر التاريخ بكل مافيها من فكر وسياسة واقتصاد وغيرها، فيربط مواضيعه بالتغيرات السياسية والاقتصادية، كل ذلك لغرض واحد وهو التطرق لحركة الفكر السوري عبر التاريخ، وما طرأ عليه، وعوامل تغيره، ووصولنا إلى هذه المرحلة بسبب ضياع هويتنا الأساسية التي أُحلّ بدلاً منها هويات دينية أو إثنية أو عرقية.
سيزيف السوري يعد عبر هذا الفكر السوري الذي ينشره منارة تستضيء بها السفن الضالة عن طريقها، تستضيء بها العقول السورية التي تعي جيداً أي حضارة وأي تاريخ تتعشق بالتراب السوري.

الجماهير التقت سيزيف إلكترونيّاً، من دون معرفة هويته الحقيقية، لأن الفكر الذي ينشره وينثره في طيّات صفحته يشي بهويته السورية الحقيقية، فماذا يفيدنا مثلاً لو عرفنا من هو صاحب الصفحة في نهاية المطاف، ولم نستفد من طروحاته وأفكاره؟! ولأن الفكر هو الأساس كان السؤال عن بداية نشره هذا الفكر، يقول سيزيف:
في الأساس تورطت في إنشاء صفحة الفيس الخاصة بي بناء على دعوة من أصدقاء، وكان ذلك في بداية الحرب على سوريا. كانت هناك هجمة في عدة مواقع خارج الفيس على وطننا، هجمة تاريخية دينية أخلاقية معرفية، وكان (مثقفونا) بمعظمهم صامتين كما رأيت ، أو واقفين على التلة ليروا إلى أين تميل الكفة، لذلك دعاني بعض من يثق بي للتصدي لهذه الحرب، لأنهم لم يقدروا على التصدي الكافي لها رغم محاولاتهم.. كنت في البداية ضد فكرة الفيسبوك؛ لأنني أعرف أن الفيس وجد لتوجيه الناس والتحكم بالرأي العام، مع مظهر خارجي هو التواصل الاجتماعي ، و قد رأينا دوره الكبير فيما سمي (الربيع العربي)، ولأنني رأيت عنف الهجمة وكثافتها، وبسبب إلحاح الأصدقاء، فتحت صفحة فيس في 2011، وبدأت بتوضيح الهوية السورية الأساسية ( بدلاً من الهويات الجزئية التي كانت تُطرَح في الهجمة المذكورة ) ، والفكر السوري، وكيف كنا، و ما الذي طرأ علينا ، و لماذا ، وكيف نخرج مما نحن فيه. وأحضرت أمثلة من ثقافة اليونان، وكيف كانوا ينظرون للسوريين، أحضرتها حتى لا يقال إننا شوفينيون وننسب كل شيء لنا كرواد للحضارة ، و ركزت على طبيعة الصراع الحالي، الذي هو برأيي استمرارية لصراع قديم مستمر: بين الفكر السوري الرسولي المنفتح الحضاري العمراني ، وبين الفكر اليهودي التلمودي المنغلق العنصري الوهابي، وتركز هذا الصراع في سوريا رغم أنه صراع عالمي بين الخير والشر، بين الاستعمار بكل أشكاله القديمة و الحديثة ، و بين التحرر و الحرية ، ومن ثم عرّفت الناس بمقولات التوراة، وكيف أنها تتحكم بالعالم، ليس اليهودي فقط بل المسيحي أيضاً بعد ضم التوراة منذ عدة قرون كعهد قديم للكتاب المقدس، علماً بأن كل التوراة مسروقة من تراثنا السوري بعد تحويرها بما يناسب عنصريتهم. وكذلك كتبت عن حقيقة المناسبات السورية من رأس سنة وعيد أم الخ، وحقيقة اللغة السورية الأم. بالإضافة إلى الألواح السيزيفية والتي هي من تأليفي، وقد أخفيتها بسبب السرقة والتشويه، وهي مكتوبة بأسلوب أجدادنا الملحمي، وتتكلم على المستقبل بصيغة الماضي، بعنوان سفر الأسفار السيزيفية.
*لماذا الاسم المستعار إذاً؟!
يقول: السبب الرئيس هو أن لدي عداوة تاريخية مع اليهود، من خلال اطلاعي على تاريخ بلدنا ، و من خلال اصطدامي معهم غير مرة أثناء عملي ودراستي و تدريسي في دول غربية، فأنا كما تعرفيني متعصب لسوريتي، وهم لديهم عقدتهم التاريخية ( و ضمنها الدينية ) من السوريين..
قبل الحرب، منذ 2006 بعد حرب تموز بدؤوا يدخلون إلى سورية تحت عدة عناوين ، منها رجال أعمال، سياح، علماء آثار الخ، يهود، بلاك ووتر خاصة من العراق وتركيا، من جنسيات مختلفة، كان معظمهم يهوداً (وقد حذرت بعض المسؤولين السابقين حينها لكنني لم أجد أذناً صاغية) ، كنت أعرف وجوه العديد منهم (ليس جميعهم بشكل شخصي) وكان من الواضح أنهم يحضّرون لشيء خطير في سوريا، وتأكدت من ذلك عندما بدأت الأحداث في عام 2011 وبدأت معهم حرباً خفية، ولست وحدي فيها فهناك مجموعة من أصدقاء قديمين نذروا أرواحهم وحياتهم لسوريا.. حاولوا استقطابي أو تجنيدي (قبل حربنا الحالية لسنوات) خارج سوريا، مثلما فعلوا مع الكثيرين من مختلف الجنسيات ، و من سوريا و بعض الدول العربية، و قد رأينا خلال الحرب أمثلة كثيرة ممن نجحوا في تجنيدهم و إعدادهم لساعة الصفر، لكن هنا في سورية كانت الحرب الحقيقية، وعلى موقع التواصل الاجتماعي كانت هناك حرب تاريخية أخلاقية قيمية إلخ ساهمت فيها أيضاً ، لذلك وضعوني في رأسهم، هم وجماعتهم من كل الفصائل المسلحة، وللعلم فإن اليهود لاينسون، ألا تذكري حادثة جرت من عدة سنوات، رجل مقاوم من الجبهة الشعبية أوقف نشاطه منذ 25 سنة، ظلوا يتابعونه حتى قتلوه في سفارة فلسطين بدولة أجنبية ؟!.
وهناك سبب آخر لاسمي المستعار، هو أني لا أحب الأضواء، وأرغب في أن يكون التواصل فكرياً فقط، لا أقارب ولا أصدقاء ولا مجاملات أو محاباة و لا شيئً آخر. لا يهمني عدد (اللايكات)، ما يهمني هو العقول التي تفكر، والتي تود تبادل المعرفة، وتحب المعرفة، وتحب سوريا، لذلك أبقيت على (بروفايلي) ولم أعتمد صفحة شخصية مثلاً..
وقد ورد في أحد منشوراته القول الآتي: أرحب بالنقاش الجدلي البناء، الذي يقبل الآخر ولا يسيء له ولا يشهر به، وآمل الحفاظ على الأدبيات العامة، وعدم استخدام كلام نابٍ، أو جارح مهما كان موضوع النقاش أو درجة الخلاف أو الاختلاف.
ويتابع القول: وفي كل مناسبة سورية أذكّر بأساسها، حتى البربارة مثلاً، وعيد الرابع، ورأس السنة والنيروز إلخ، كلها أعياد سورية، وما تحويه لهجتنا المحلية من مفردات بالآلاف من لغتنا السورية الأم، لهجتنا خزان معرفي كامل، طبعاً مع هذه الحرب المعرفية، وحرب الهوية والوجود، يوجد كما تحدثنا حرب ميدانية خفية، حرب مع اليهود فكرياً و وجودياً .

ولكن في السنوات الأخيرة توقفت قليلاً عن نشر المقالات التاريخية لعدة أسباب، ومنها أنني رأيت الناس ينصرفون لاهتمامات عديدة منها الشخصي ومنها المصلحي ومنها ال (أنا)، فخففت من الكتابة في التاريخ، وركزت على المعرفة بشكل عام وعلى قيم المحبة والجمال نثراً أو شعراً، وأنه لا يوجد مقدس إلا العقل، العقل الذي يفكر.
*ولكنك مازلت متابعاً، هل ترى أن حربك هذه أتت أكلها بالنسبة للشعب السوري؟ هل وصلتهم أفكارك؟
ويجيب: للأسف الشعب السوري لامبال بمعظمه بتاريخه و هويته ، أو تم ممارسة تجهيل طويل ممنهج عليه، كان تأثير أفكاري نسبياً طبعاً، ولأني أعرف ذلك مسبقاً، كنت سيزيف منذ البداية ، بما يحتويه هذا الاسم من مدلولات.
*لماذا تم اختيار اسم سيريف السوري؟!
يقول في أحد منشوراته: سيزيف كان ملكاً لكورنثا اليونانية، استطاع أن يخدع ثاناتوس “إله الموت” بل وأن يقيده بالسلاسل، ليشله عن القيام بوظيفته، فكان أن غضب زيوس كبير الآلهة، فأمر بأن يرفع سيزيف صخرة ضخمة من أسفل التل/ الجبل إلى القمة، فلمّا رفعها أسقطها زيوس إلى الأسفل آمراً سيزيف أن يعود لرفعها، وكلما فعل ذلك هوت الصخرة إلى القاع، وهكذا إلى الأبد.
إنه التكرار العبثي المؤبد، اللاجدوى ، الدوران الكوني وتكرار الأحداث وتكرار الفرح والحزن والمعاناة الألم، و قد يكون بعض ذلك دافعاً لانتحار بعض البشر، بسبب عبثية الحياة ، وعبثية الوجود، ورغم أنّ سيزيف يعرف ذلك، ويعرف النتيجة قبل أن يبدأ في كل مرة، إلا أنه كان لا يكفّ عن المحاولة وعن التحدي. لم يطلب رحمةً ولا عفواً، ربما ملّ زيوس هذا التكرار العبثيّ، وانصرف إلى باقي شؤونه ولهوه ونزواته، لكن سيزيف لم، ولن يتوقف، ولن يرتاح صعوداً أو نزولاً، ربما لأن ذلك قد أصبح ماهية وغاية وجوده، وربما هو مصمم على تحدي الآلهة أو المقدسات أو القوانين الطبيعية، وربما حتى يتوازن الكون، والأشياء والعناصر وتكتمل دورة زمنية مقدرة..هنا، في هذا الدوران والتكرار والاكتمال، يلتقي ويتساوق، العَوْدُ الأبديّ لنيتشه، والمجال أو الحقل الموحد لآينشتاين، هي نظرية علمية لي، ولا مجال للتوسع في هذه النقطة الآن.
هذا عن سيزيف، الاسم والمدلول، بنظرة سيزيف السوري، أما لماذا (السوري) فلأن سوريا، حسبما رأيت وما حصل لها عبر التاريخ حتى اليوم، هي برأيي السيزيف الأكبر، وأيضاً (السوري)، لأنني من روحها، روحها الكلية، وأتواصل معها بطريقتي وبطريقتها.
ماجعل مني سيزيفاً هو الكتابة للسوريين بغرض التنوير والمعرفة وليس لأهداف شخصية أو لأهداف جهة ما، وربما كانت الحرب، ومنشوراتي، كلها عبثية سيزيفية ، لكنه واجبي تجاه سوريا، وسوريا تعرف، وهي برأيي قد اختزنت فينا شيفرات عابرة للزمان، وقد جاء الوقت الذي تحتاج فيه سوريا إلى ما خزنته فينا، ماجعلني سيزيفاً هو عدم الكلل والملل من الإجابة على سؤال ماذا بقي منك كسوري، و ماذا بقي من سوريتك؟! هذه قصة سيزيف.
كتب ذات منشور مايلي: “أقوال كثيرة نسمعها أو نقرؤها كل يوم، في مختلف الأمكنة، الوظيفية العامة والخاصة، الأسواق، الرياضة: نحن شعب متخلف، نحن خارج الزمان، لا يوجد أمل أن نكون دولة أو أمة أو مجتمع مثل باقي المجتمعات، ماذا نستطيع أن نفعل؟، من أين نبدأ؟!”.
لهذا أسبابه ومبرراته ، لكن دعوني أذكّر الإنسان السوري ببعض ما يمكن أن يكون قد نسيه، لعله يعرف ما الذي حدث ويحدث له.
لقد سرقوا ويسرقون منك كل شيء يا أيها السوري، وأنت غافل أو لا ترى، أو ترى جزءاً وتظن أنك ترى الكل، سأذكر لك غيضاً من فيض، ولكن قبل هذا لا تنسَ أن تقول لمن يسخر من نظرية المؤامرة (المصطلح المشهور الذي سوقوا له كثيراً وبتهكّم)، ما أذكاكم!، لأنها فعلاً ليست مؤامرة، بل مخططات ممنهجة ومدروسة، تقترب من بعضها أحياناً، وتبتعد أحياناً، لكنها مترابطة بما تنتجه وتسبّبه، أما الأطراف المُسَبِّبة فقد لا تعرف بعضها، فقد يستغل طرف خارجها ما تقوم به، ويقوم بفعل يندرج في نفس سياق ما يقوم به الأصل، إما عن غباء، أو لمصالح شخصية، أو لمصالح جهات ما..
دعوني أذكّر السوري بما سرقوه منه، بالقول :
1- سرقوا حاضرك، بإلهائك في حروب وصراعات لا تنتهي، وكلما هدأ سبب (منكِ عادَ لي سببُ) فمن فساد إلى قرارات متواصلة ضمن سلسلة مدروسة حيناً وعشوائية أحياناً، و أنت تصرخ هنا وتحتج هناك ، ولا أحد يسمعك ولا يهتم بك ولا يقيم لك وزناً.
2- سرقوا مستقبلك، فأنت إما مهاجر، وإما مهجّر في بلدك، أو محجوز ضمن دائرة أو دوائر ضيقة يرتدّ فيها صوتك إليك، ولا تسمع فيها إلا صدى كلماتك، سرقوا أولادك بإرادتك، تركتهم يهاجرون لتحميهم من موتٍ ربما كان مجانياً أحياناً، ولم يتركوا لك خيارات أخرى، وإذا تغلبت فيك عوامل البقاء، تدفع ثمنها غالياً كل يوم في أشكال عديدة.
3- بسرقة أولادك (بإرادتك ظاهرياً )، لم يأخذوا فقط كل ما كان يمكن لهؤلاء الأولاد أن يحققوه في بلدهم ولبلدهم، بل سرقوا جيناتك أيضاً، هناك ما هو مُخَزَّن في هذه الجينات منذ آلاف السنين، هم يحتاجونه لدمجه مع عوامل تفوّق موجودة لديهم، وأنت لا تعرف ماذا يوجد حتى داخلك! سيغربلون كل هؤلاء اللاجئين لتتم هذه العملية بصمت ولصالحهم كالعادة، هل كنت تظن أنهم إنسانيون لهذه الدرجة ليستقبلوا كل تلك الآلاف ومجاناً؟ هذا أحد أهداف استقبالهم، ويضاف له أسباب ربما تعرفها ولا أظن أنك تعرفها.
4- سرقوا ثروات بلدك، وما بقي منها وما سيظهر، سرقوه مسبقاً أيضاً، بعقود تمتد لعشرات السنين، لإعادة إعمار ما دمروه هم، بالأصالة أو بالوكالة، و أيضاً لقبض ثمن دفاعهم عنك !! مع أنك دفعت غالياً جداً ثمن وجودك ودفاعك عنه، دفاعك مختاراً أو مُجبَراً، حتى الدماء التي سالت وجرت أنهاراً ، سرقوها أيضاً، واستثمروها لصالحهم بعدة أشكال، لكنك لم تستطع إلا أن تكون أنت رجلاً حيث تتطلب الرجولة، ثم تنظر خلفك إذا بقيت حياً، لترى العجائب مما لا يتسع المجال لذكرهن.
5- سرقوا آثارك، وأنت غير مهتم بالأحجار كما تقول، ودمّروا ما لم يستطيعوا سرقته، وهم مهتمون وجداً، ليس لقيمة هذه الآثار المادية، هم مهتمون، و أنت غير مبالٍ، أو فاغرٌ فاكَ.
6- سرقوا ماضيك، واستبدلوه بماضٍ ليس منك وليس لك، سرقوا أساطيرك ونسجوا منها ما يناسب أهدافهم، سرقوا نسرك ووضعوه شعاراً لدولهم، نجمتك السداسية، نشيد الإنشاد، أكثر من ذلك، كتبوا التوراة معتمدين على تراثك بعد تحويره لما يناسب عقليتهم وأهدافهم، فتركته لهم إما عن جهل وإما أنك استسلمت عن طيب خاطر؛ لأنك لا تستطيع أن تفعل شيئاً، كل شيء أخذ من تراثك، وحكمتك وأخضعتك به بعد إلباسه غطاءً غيبياً مقدساً، وما يزال اليهود يعملون على تحقيق نبوءات توراتهم و تلمودهم، لينتقموا (ضمن أهداف هذه الحروب) من ماضٍ جعلوه (هولوكوستاً) قديمأً، فيه سباهم أجدادك وأذلوهم وأخضعوهم، مع ذلك لا يهمك هذا الصراع (هذا إن كنت تعلم عنه شيئاً)، و أنت تطالب بإلغاء الماضي والتاريخ والتفرغ للحاضر والمستقبل، وحجتك حاضرة بما سوّقوه لك، أن الأمم التي ليس لديها تاريخ إلا منذ بضعة قرون هي التي تعيش بشكل حضاري ومدني وعلماني الخ، وأنت تصدق ذلك، وتتبناه أيضاً، وتعتبر من يذكّر بما حدث في التاريخ وبأساس الصراع القديم المستمر، تعتبره مستحاثة ربما، أو أنه عنصري وشوفيني.
7- سرقوا أرقامك وصار العالم يستخدمها، على أنها أرقام أوروبية ، وأعطوك بدلاً منها أرقام هندية وغبارية أيضاً !
8- سرقوا أحرفك وأبجديتك، ألفا بيتا غاما، وبنوا بواسطتها كتاباتهم وعلمهم، وأعطوك بدلاً منها لغة أخرى.
وضمن هذا وذاك، سرقوا علوم أجدادك السرية التي لا تعرف عنها شيئاً، وفوق ذلك سوّقوا لعلوم جديدة ومفاهيم جديدة على أنها حقائق علمية، فانطلت القصة حتى على نُخَبك التي تبنّتها، و روّجت لها، وتدافع عنها على أنها تعرف ما لا يعرفه غيرها !
9- سرقوا بذور نباتاتك، كل بحوث الإيكاردا وغيرها كانت لصالحهم ولم تكن لك، كمثال، أخذوا بذورك المؤنثة التي تتجدد كل موسم، وتقاوم أغلب إن لم يكن كل عوامل التصحر والجفاف والآفات الحشرية والمرضية (نتيجة تطورها و تأقلمها منذ آلاف السنين وهي متفرّدة بذلك على مستوى العالم)، وأعطوك بدلاً منها حبوب مذكّرة تعطي موسماً واحداً فقط، لتعود وتشتري منهم حبوباً جديدة لموسم جديد، تشتري شاكراً ممتنّاً ما هو لك بالأصل.
10- سرقوا نباتاتك البرية الطبّية، من الريف السوري والبلعاس بشكل خاص كمثال، ودمّروا معظم أصولها، وآثارها (ما لم يستطيعوا سرقته)، وأحرقوها، وتركوا البلعاس حريقاً وخراباً، تعيث فيه الحشرات والحيوانات المسعورة، هي وداعش وكل أنواع الكائنات المشوهة.
11- سرقوا أمانك وطمأنينتك وأحلامك وأيامك وسنيك، واكتفاءك ومعيشتك، ومدخراتك في حال وجودها، وبيتك الذي هُجِّرتَ منه وأضحى خراباً، وبالتالي سرقوا أساس إنتاجك وإبداعك الذي كان سيكون لو بقي بعض أو كل ما سرقوه.
12- جعلوك تكفر بسوريتك التي تجهلها أصلاً، وبكل من يتكلم عنها أو يذكّر بها.

*هل ترى أن الفكر الذي تنشره قد لايعجب البعض؟!
طبعاً، ولن يعجب الكثيرين، لأننا تعودنا على القوالب الجاهزة، وتقديس الأسماء ، والقطيعية، وكمثال، لقد أرسل لي ثلاثة أشخاص يعلقون على استخدام بعض الكلمات من قبلي، في نص (أنا سوريا) في 2014، ويرون أن تلك الكلمات ترتبط بأشياء معينة وليس من المحبذ استخدامها، أو كان يجب عدم استخدامها، رأي أحترمه، ويوجد لديّ رد منطقي عليه، لكن ما ليس مقبولاً، هو أن يصل الموضوع حد التكفير من أناس (مثقفين وعلمانيين !)، هذا يدل ببساطة على أن التعصب والتطرف والتمسك بالنص وحرفيته وظاهره فقط، دون تفكير، ليس حكراً على الوهابية..!
إحدى هذه الرسائل كانت من شخص كان صديقاً في صفحتي حينها، ولا يعرف أنني أعرف أنه قريب من الموساد، وعلى الأغلب من أحد مراكز البحوث الصهيونية المعروفة، هو، في لبوسه الذي يلبسه، متمسك جداً بالإسلام والعروبة وفلسطين، ومن أشد

المتحمسين لسوريا، من الذين يدسّون السم في الدسم، وبعدها أصبح سورياً قومياً! واستقطب الكثير من القوميين من مختلف السويات المعرفية والحزبية! وكانت له تعليقات كثيرة، ومقالات (في 2014 قبل انكشافه لاحقاً) في صفحات وطنية معروفة ! لكنني عرفته مبكراً وحذرت منه لكن للأسف لم يصغ أحد إلا بعد سنوات، هذا الشخص مثال ويوجد غيره العديد .
وفي منشور آخر من 2014 يكتب سيزيف لأصدقائه: منذ عدة أشهر، هناك مجموعة على الفيسبوك وغيره، تبحث عن كل صفحة وطنية (أو صفحات شخصية) ترى بالعينين معاً، وغير متعصبة، أو مواضيعها فكرية أو تاريخية ومفيدة، مهمتهم تفريغ المقالات من محتواها، وحرف البوست عن مساره، وإثارة الفتنة، جهاز كامل، جماعة تمرير السم في الدسم، يدخلون كوطنيين وعلمانيين، منهم من يعيش في قطر أو السعودية، ومنهم في تل أبيب، ومصر، وتركيا، ودول أجنبية… وسوريا، وهناك من ينجرف معهم في النقاش أو الرأي من أصدقائنا بحسن نية ودون أن يتنبّه..

*ألا تفكر في نشر ماكتبته على صفحتك ضمن كتيب صغير، أو في كتاب؟!
خلال السنوات الماضية وخاصة في عام 2014 تواصل معي عدة ناشرين وأدباء وشعراء من سوريا ومن خارجها؛ لنشر بعض المقالات أو الألواح، أو كتيب أو كتاب، وتواصل منظمو نشاطات من أجل محاضرات أو أمسيات، لكنني اعتذرت كل مرة؛ لأنني لا أحب الأضواء من جهة، ولست كاتباً ولا شاعراً، ولأن شخصي يستلزم السرية، ولم يكن غرضي يوماً هو الظهور والشهرة أو المجد الشخصي، هذه أول مرة أتحدث لصديقة وأخت، وبشكل عام نادراً ما أرد على الخاص، قلت، هذه المرة، عسى أن يعرف السوريون شيئاً عن الحرب الخفية وإن برؤوس أقلام، وكذلك عن أنفسهم التي تم تغييبهم عنها، وعن حقيقتهم وهويتهم، وعن قدراتهم المخفية التي يمكن أن تقلب التاريخ والزمن إن أرادوا، وعملوا، لكن (ما أشطرنا) بالكلام، لمجرد الكلام، وسرقة الأفكار و المقالات جزئياً أو كلياً من بعضنا (وهذا موضوع ذو شجون)، وما أشطرنا بالسخرية على أنفسنا وعلى بلدنا، والانقسام والخلاف في كل شيء وعلى كل شيء للأسف، والأمثلة كثيرة على الفيسبوك خاصة في السنوات الأخيرة .
بعض أصدقاء صفحتي القدامى، يعرفون عن الكثير مما أتحدث عنه، حتى لا يأتي من يقول، السرية يمكن أن تخفي الكثير، وضمنه البطولات الوهمية، والتنظير وغيره، لكنني أترك الرد على ذلك للزمن، ولما تحتويه صفحتي من مقالات خلال سنوات، ولبعض الوقائع (الغامضة) خلال الحرب التي لم يجد أحد لها تفسيراً .

#سفيربرس ـ  بقلم : بيانكا ماضيّة 

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *