النمو الاقتصادى والمنهج الصحيح .. بقلم :الدكتور هشام سعيد

# سفيربرس

لا خلاف على أن النمو الاقتصادى هدف رئيسى يسعى الجميع للوصول إليه سواء فى الدول المتقدمة أو الساعية نحو التقدم، وفى هذا الإطار تعمل الحكومة المصرية على تحقيق النمو الاقتصادى من خلال سياسات وإجراءات تؤدى إلى زيادة الدخل الحقيقى للمواطن، وزيادة مستوى الرفاهة الاقتصادية.
وتختلف المناهج المتبعة لتحقيق النمو الاقتصادى وتتعدد تبعاً لطبيعة المجتمع والأنماط الاقتصادية والاجتماعية السائدة فيها، ويجب أن تتلاءم الأدوات المستخدمة لتنفيذ المنهج التنموى المتبع مع الأطر السياسية والبيئة الاجتماعية السائدة فى الاقتصاد المحلى، فعلى سبيل المثال يجب أن تتوافق هذه الأدوات المقترحة مع عمق ورسوخ قواعد الديمقراطية، المتمثلة فى مشاركة الأفراد فى اتخاذ القرار والذى يظهر من خلال فعالية المجالس المحلية والنقابات المهنية والتجمعات الشعبية التى لها صفة ومصلحة فى اتخاذ قرار معين. وتظهر كذلك من خلال طرق الرقابة والمحاسبة التى يمارسها المجتمع على متخذ القرار الحكومى، والمتمثلة فى مدى استقلالية الأجهزة الرقابية العاملة فى الدولة، وفى الآلية التى تعتمد عليها هذه المؤسسات فى القيام بمهامها، وهو ما ظهر في أداء مجلس النواب في دورة انعقاده الأخير.
كما يجب أن تراعى السياسات التنموية المتبعة الهيكل السكانى للمجتمع ونسبة الشباب إلى إجمالى عدد السكان، فالشباب هم القوة القادرة على العمل والإنتاج، مما يعنى إمكانية تحويل هذه السياسات إلى واقع ملموس. وفى نفس الوقت يجب أن تراعى هذه السياسات نظام التعليم السائد ومدى ملاءمته لاحتياجات المجتمع وللأهداف التنموية المرجوة، وكذلك على منظومة القيم التى تحكم العمل الاقتصادى، مثل احترام قيمة العمل وتقدير الوقت والاهتمام بالادخار وتنمية الذات.
ومن الناحية الاقتصادية يجب أن يناسب المنهج الاقتصادى التنموى طبيعة الاقتصاد القومى والمرحلة التى يمر بها. فالاقتصاد المصرى يحمل كل الصفات التى تؤهله لكى يكون اقتصاد ذو قاعدة إنتاجية عريضة، وهو ما تؤكده الموارد الطبيعية والبشرية الموجودة فى مصر.
من هنا يجب أن تراعى الحكومة كل هذه الاعتبارات المنهجية وهى تفاوض المؤسسات الدولية لاختيار السياسة التنموية المناسبة، فالأرجح – من منطلق أن أهل مكة أدرى بشعابها- أن السياسات المقترحة من جانب صندوق النقد والبنك الدوليين يجب أن يدخل عليها بعض التعديلات لكى تلقى النجاح المتوقع.
حقيقة أن الحكومة المصرية تعمل على خفض عجز الموازنة وتحقيق استقرار فى سعر صرف العملة المحلية، وأن صندوق النقد الدولى ومن ورائه البنك الدولى يقترحا لذلك مزيداً من خفض الدعم المقدم من الحكومة، وتقليصاً لدور الدولة فى النشاط الإنتاجى، وتخفيفاً من الأعباء التى تتحملها ميزانية الدولة، ومزيداً من تحرير أسعار السلع والخدمات.
كل أولئك وغيرها من التوصيات تؤدى إلى زيادة الطلب الكلى الفعال، المتمثل فى زيادة الاستهلاك وزيادة الطلب على الموارد بغرض الاستثمار، وذلك تحفيزاً لعملية النمو الاقتصادى، وهذا هو الأساس العلمى لعقيدة السياسات الإصلاحية المتبعة من قبل المؤسسات الدولية.
إن هذه السياسات قد تؤدى إلى مزيد من النمو الاقتصادى، إلا أن ذلك لن يتحقق إلا فى اقتصاد يتمتع بمرونة فى جهازه الإنتاجي، ومرونة أكبر فى عناصر الإنتاج المستخدمة، إذ يجب أن يستجيب الجهاز الإنتاجى فى الدولة إلى أثر هذه السياسات المحفزة للطلب الكلى لضخ مزيداً من المنتجات لزيادة العرض الكلى، وهذا ما لا يتميز به الجهاز الإنتاجى فى مصر في الوقت الراهن.
إن المشكلة الاقتصادية الحقيقية تكمن فى ضعف الإنتاج وليست فى ضعف الاستثمار، وشتان الاختلاف بينهما، فالإنتاج يمثل العرض الكلى بينما الاستثمار هو أحد مكونات الطلب الكلى، ولكل خصائصه ومحدداته، ومع ذلك نرى جهود الحكومة تبذل يومياً وعلى أعلى المستويات لتحفيز الاستثمار وتذليل العقبات أمام المستثمرين، فى حين أن الجهود يجب أن توجه إلى إزالة العقبات التى تحول دون تحقيق معدلات مرتفعة من الإنتاج وزيادة العرض الكلى الفعال، وهو ما ينعكس على مرونة الجهاز الإنتاجى وبالتالي يضمن نجاح السياسات الاقتصادية المتبعة.
ومن تلك الجهود التى يجب أن تبذل فى الأجل القصير حل مشاكل التعثر المالى لوحدات الجهاز الإنتاجى سواء كانت مصانع أو شركات والتي يمكن أن تحل بالعديد من الوسائل. وأيضاً تمويل رأس المال العامل أو تمويل دورات التشغيل الأولى للمصانع التى تعانى من انخفاض فى معدلات الإنتاج. كذلك دعم المصانع التى تعانى من انخفاض الإنتاجية بتوفير أحدث طرق التكنولوجيا وتحديث خطوط الإنتاج فيها.
أما الجهود التى يجب أن تبذل فى الأجل الطويل فيمكن أن تنصرف إلى إلزام الشركات والمصانع باستخدام البحث العلمى وتطبيق نتائجه، وحثها على ذلك بكل الحوافز الضريبية والتمويلية. والاهتمام بتطوير التعليم الفنى وإعادة هيكلة هذا القطاع، وتطوير الأدوات المستخدمة فى المدارس الفنية والمعاهد الفنية المتوسطة، فضلاً عن تطوير المناهج والأساليب التعليمية المتبعة. ويمكن أن نرى بالفعل خطوات الدولة الملموسة في هذا الاتجاه.
وبالتطبيق العلمى السليم لتلك الجهود يمكن الوصول إلى ضمانات لتحقيق معدلات نمو اقتصادى حقيقى، واستمرار هذا النمو وامتداده لكافة القطاعات الاقتصادية.

# سفيربرس بقلم دكتور: هشام سعيد

تعريف بالكاتب:
دكتور/ هشام سعيد محمد  . خبير الاقتصادي ،دكتوراه الفلسفة في الاقتصاد جامعة قناة السويس
أستاذ جامعى – مستشار اقتصادي
ahsm_ahsm@yahoo.com

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *