ديوان “إشارات أرتميس” رحلة في الرموز والإشارات ـ بقلم : الاعلامية نايلة الشقراوي

#سفيربرس

صدر في الأسابيع القليلة الماضية عن دار عليسة للنشر والتوزيع ديوان الشاعرة بسمة مرواني “إشارات أرتميس “وقد نشرته الدار بعد فوزه بجائزة الشعر في اطار مهرجان عليسة للمبدعات.

هذه المجموعة الشعرية هي الثالثة لبسمة مرواني بعد ديوانها الاول “نبراس الغيم” ويبدو جليا ان النصوص المعتقة بالديوان الجديد قد كتبتها بعد رحلة بحث معرفي وعزلة روحية منحت الشاعرة نضجا واضحا وعمقا في الرؤى وتمرسا جعلها قادرة على خلق نص شعري حداثي يواكب تطور قصيدة النثر وينوع من مواطن الاستلهام المعتمدة فيها .

عادة يعتبر العنوان عتبة اساسية تؤطر للعمل وتدل على جوهره وقد كان “إشارات أرتميس “العنوان الذي يحدد هوية القصائد ومفاتيحه ،وقبل ان نكشف تلك المفاتيح لا بد من التعريف بأرتميس وهي بحسب الميثولوجيا الإغريقية القديمة، هي إلهة الصيد والبرية، حامية الأطفال، وإلهة الإنجاب وتعتبر من اقوى وأهم الآلهة .

سفيربرس ـ بسمة مرواني

أما الإشارات فلغة تعني التعليمات أو ما يرسل من معلومات أو ما يشار إليه في المكان .فما الذي ارادت بسمة المرواني تبليغنا إياه من خلال قصائدها وما جدوى استعانتها بأبطال الميثيولوجيا الإغريقية وأقطاب الصوفية في كتابة نصها الشعري؟.

تعتبر كل نصوص الديوان تقريبا بمثابة الاشارات التي ترسلها الشاعرة الى القارئ وبالتحديد الى عقله ووعيه حتى تجعله يدرك ذاته أو يكون شاهدا على محاولة الشاعرة لادراك ذاتها فهكذا شعراء تكون تجاربهم قياسا للآخرين ومجال بحث نقد تحليلي. ومثل تجربة بسمة المرواني كمثل تجارب الشعراء الذين مروا بتجارب روحية عميقة استنطقوا فيها دواخلهم عبر الأسئلة ومحاولة البحث عن اجوبة وقد لا تنتهي التجربة بأجوبة مقنعة توضع على منصة التجريب وانما تنتهي ربما كما عند بسمة المرواني بديوان شعري زاخر بالإشراقات والإشارات المعتمدة على الحدس و التي تختزل رحلتها الروحية واسبابها .

فهي تقول في نصها “إشارات أرتميس”: على ضفاف معبد مهترئ كذب مشيت ،رميت بقطوف الظل ولي في الروح إشارة الحدس لم أطلب من الله غير استطاعته بحثت في شوهي عن ومضة للسفر اعتمدت الشاعرة في ديوانها على شخصيات أسطورية من الميثيولوجيا اليونانية كهوميروس ،ارتميس، افروديت ،سيفنكس.. بهدف اغناء عناصر نصها الشعري يرى الباحث بما يتواءم مع مقاصده فتولي اهتماما كبيرا للغة وحقل الدلالات ليتآلف وينسجم المعنى والمبنى مع تريد تبليغه وما يعبر عنها .

وهنا يقول السوري محمد جمال باروت أن “القصيدة الحديثة تهتم بالبناء الداخلي لتجربة البحث والرؤيا في علاقات لغوية شعرية” والأكيد ان بسمة المرواني في ديوانها بابتعادها عن القصيدة الرومنسية ذات المنحى العاطفي الصريح كان يهدف إلى التركيز على الفكرة وتقديم رؤيتها تجاه العالم من خلال الشعر وخاصة قصيدة النثر التي تنفتح على الأقاصي و تطيع كاتبها و تشرع أمامه عوالم مختلفة في الاستلهام والتوظيف لتكون المعاني مرتبطة بحالة وعي من نوع خاص تستند إلى عدة تجارب فكرية وحياتية ومعجم لغوي ثري، والى منهج يميز الشاعرة ليصبح بصمة خاصة بها ،حيث تقول الشاعرة في استهلال مجموعتها” اصابعي تسقط الحروف مغشيا عليها على قارعة الورق لتكون فرص المعنى ” وتقول في قصيدة” تجاعيد الغياب ” كان لي بريق الباطن اكتبه على كل غفلة حبر انام طويلا على ذراع الرمل اتدثر بسوسن البلاغة وقد كنا ذكرنا سابقا ان الشاعرة كتبت نصوص الديوان بعد تعمق كبير في عوالم الروحانيات وبالتوازي مع الاشتغال على بحث عن حياة جلال الدين الرومي واشعاره الصوفية ،لذلك فالكتابة بالنسبة لها تبدا بحالة القطيعة مع الوعي السائد والمسلمات تتلوها صحوة تتشكل معها حروف وتخلق نصوصا لا تشبه ما كتبه شعراء قصيدة النثر ولا تستنسخ من نصوص الاخرين وهذا ما يميز شاعرا عن آخر أو نص عن آخر خاصة وأن شعراء قصيدة النثر على كثرتهم لا يتميز منهم سوى المجددين في التقنيات والأسلوب .

يمكن اعتبار ديوان “إشارات أرتميس “رحلة بحث في الذات ،في الروح ،في الوجود وفي علاقة الفرد بالمعتقدات السائدة بوجهة نظر تتراوح ما بين الفلسفة في بعض النصوص وبين الفكر الصوفي في نصوص اخرى ،واحيانا تؤلف الشاعرة بين كل تلك الرؤى لإثارة تساؤلاتها واحكامها خاصة وان كل المباحث التي تريد سبر اغوارها ليست من المباحث التي يتطرق إليها العامة أو سائر الشعراء .

لذلك فالوصول الى إجابة ستغلفه مشقة تشبه كثيرا شقاء أهل العقول وقد تعجز الشاعرة رغم كل الجهد عن الوصول(ولا احد يصل للإرتقاء الكامل للروح السامية أو يبوح بسره في القاعدة الصوفية ) أو حتى يعترف به أو تفسير اسرار هذا الكون وتحديد مكان يليق بتطلعاتها لتظل على حيرتها وذهولها ،ذاك الذهول الذي لا يمنعها عن طرح اسئلة أخرى ولا يقعدها عن السير في رحلة بحث جديدة هدفها تفكيك الرموز التي استوطنت عقلها لدرجة أن يصبح فيها السؤال هو المحرض الأساسي على المضي قدما في هذه الحياة فهي تقول في قصيدة” ليل الحياة قصير” (باحثة عن إبرة بوصلتي بين كومة صور اصابها البلل تلمست بقايا الذكرى علها تبطن لي رسالة رثاء أو تنهيدة تزيح التعب والعناء اججت حرقة الطريق وفي خضم الرحلة بحثت عن الحياة أكون أنا لغيري حياة أم غيري يكون لي كل الحياة) .

وتضيف بنفس القصيدة :(أجوس اطراف الأبعد لا وقت للذهول ما أنت وما أنا هو سؤالي المحير لتعريف الطين بأول انتشاءاته الواعية هكذا هي نصوص “إشارات أرتميس” لشاعرة ارتدى عقلها جبة الحلاج وغلف قلبها عمامة الرومي فاقتربت من النور المقدس وعبرت بروح نصها الى الهناك حيث تماهى نصها مع المطلق الأبدي الذي دخلته وهي في حالة ذهول نقلتها بمهارة الى قارئها مما جعله يشاركها الدهشة من عوالم تصنع اللغة أعمدتها الثابتة .

#سفيربرس ـ بقلم :الاعلامية نايلة الشقراوي

 

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *