العرب والصين … قصة حضارتين ـ بقلم : د. شاهر إسماعيل الشاهر

#سفيربرس

صدر عن بيت الحكمة ببغداد كتاب بعنوان: العرب والصين … قصة حضارتين. تناول هذا الكتاب العلاقات العربية الصينية من منظور تاريخي وثقافي، والتي امتازت على مر التاريخ، بالتشاركية والتعاون والسعي لتحقيق المصالح المشتركة، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

جاء الكتاب في حوالي ٥٥٠ صفحة وتألف من مقدمة وعدد من الفصول، حيث تناول القسم الأول من الكتاب موضوع الإسلام والتواصل الحضاري العربي الصيني، فتحدث عن الأصول التاريخية للشعب الصيني وأصل اسم الصين، وتناول الفصل الثاني موضوع الإسلام في الصين وأوضاع المسلمين في عهد الأسر الإمبراطورية، بدءاً من أسرة تانغ الملكية وأسرة سونغ وأسرة لياو وأسرة يوان وكذلك أسرة منغ وموقفها من الإسلام هي وأسرة تشينغ. كما تناول الكتاب موضوع الإسلام في عهد جمهورية الصين الوطنية وكذلك في عهد جمهورية الصين الشعبية. مستعرضاً موضوع الأقليات والمذاهب والمعتقدات الصينية، مستعرضاً القوميات في الصين. كما تنول موضوع القرآن الكريم وترجماته الى اللغة الصينية. وأفرد الكتاب فصلاً للحديث عن السيرة النبوية ومصادرها في الصين وترجمات السيرة النبوية عن اللغة العربية. كما تحدث بإسهاب عن ديانات الصينيين من غير المسلمين وانتشار الديانات الأخرى كالبوذية والكونفوشيوسية والطاوية والمسيحية.

وانتقل الكاتبان للحديث عن العلاقات الحضارية العربية الصينية وتأثير الصين في الحضارة العربية في مجالات الطب والصيدلة والورق والطباعة والبوصلة والبارود… الخ.

كذلك تناول الكتاب صورة الصين في عيون الرحالة العرب متحدثاً عن أهم الرحالة العرب الذين زاروا الصين وكيف صوروا عادات أهل الصين في أدبياتهم، متحدثاً عن أمانة أهل الصين واصفاً المدن الصينية وابداع الصينيون في مجال الحرف والصناعات وكذلك صورة بلاد العرب في عيون من زارها من الصينيون.

ولم يغفل الكاتبان موضوع اللغة وأثرها، حيث تطرق الكتاب بالتفصيل لمكونات لغة خوي وسماتها وأثر اللغة العربية في لغة خوي على المستويات كافة: (الصوتي-الصرفي-النحوي-الدلالي)، وأثر اللغة العربية في لغة خوي الدينية.

ويرى الكاتبان أنه وعلى الرغم من أن هناك  تبايناً كبيراً في الحجم السكاني والاقتصادي بين الصين والدول العربية، إلا أنه هناك قواسم مشتركة كثيرة تعظم الفائدة من استخلاص العبر والتعلم من الأخطاء. فقد شهدت العلاقة بين الدولة العباسية “المسلمة” والدولة الصينية “البوذية” تطوراً كبيراً، إذ دخل الإسلام الى الصين، وبني أول مسجد فيها في مدينة غوانزو. وتطورت العلاقات التجارية بين العرب والصينيين براً وبحراً، ونُقلت تقانات الطباعة، التي شكلت ثورة في التطور الثقافي، وذلك من خلال الأسرى الصينين، وشكل طريق الحرير جسراً للتبادل التجاري والثقافي والعلمي، إذ يُعد الوطن العربي نقطة الوصل بين الحضارة الصينية وباقي حضارات العالم.

وفي منتصف القرن العشرين بدأت العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول العربية، فدعم العرب تأسيس جمهورية الصين الشعبية، كما ساندت الصين الحقوق المشروعة للعرب بالاستقلال والتحرر الوطني من الاستعمار، وكان الموقف الصيني الداعم للحق العربي في الصراع العربي الصهيوني، موقفاً مبدئياً وثابتاً رغم علاقاتها الجيدة مع إسرائيل.

وفي إطار تطوير العلاقات بين الصين والعرب أسس في عام ٢٠٠٤ منتدى التعاون الصيني العربي، الذي شكل نقلة نوعية في مسيرة تعزيز التعاون بين العرب والصين.

ومع طرح مشروع الحزام والطريق من قبل الرئيس الصيني عام ٢٠١٣ انتقلت العلاقات العربية الصينية من السياق الاعتيادي الى السياق الاستراتيجي، معتمدة على التماثل التاريخي، والتوافق السياسي والتكامل الاقتصادي.

واليوم، بدأت كثير من الدول العربية تطرح شعار التوجه شرقاً، بعد خيبة أملهم من السياسة الأمريكية، وبدا أن العالم بات يشهد تغيراً في بنية النظام الدولي، وذلك نحو نظام دولي يكون للصين فيه موقع الصدارة كونها لاعب سياسي دولي مهم وعملاق اقتصادي كبير، وهو ما يفسر التداخل الكبير بين الجانبين السياسي والاقتصادي عند الحديث عن علاقات الصين مع معظم دول العالم، والدول العربية على وجه الخصوص.

يشكل الكتاب قيمة مضافة كبيرة للمكتبة العربية والصينية على حد سواء، ولعل أهم ما يميز هذا الكتاب أنه نتاج باحثين (عربيّ وصيني) استطاعا أن يبحرا في عمق التاريخ ليوثقا هذا التواصل الحضاري بمنهج علمي رصين، وهو ما افتقدناه في كثير من المؤلفات السابقة التي قدمت وجهات نظر أحادية الجانب.

                                                 #سفيربرس ـ بقلم : د. شاهر إسماعيل الشاهر

                                                   أستاذ الدراسات الدولية

                                              جامعة صون يات سين- الصين

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *