تقهقر الثروة الغازية في سوريا. استعادة الإنتاج غير مستحيلة _ بقلم : زياد غصن

#سفيربرس

مرّ شتاء هذا العام قاسياً على السوريين؛ فإلى جانب الصعوبات التي واجهت البلاد في تأمين احتياجات مواطنيها من مادّة المازوت للتدفئة، أدّى انخفاض الإنتاج المتاح من الغاز الطبيعي إلى زيادة عدد ساعات التقنين الكهربائي. معاناة إنّما تُمثّل وجهاً من وجوه التبعات التي خلّفتها الحرب، ومعها الحصار الغربي، على إمكانيات البلاد من هذه الثروة، والتي حوّلت مستقبلها من مشرق إلى قاتم. مع ذلك، لا تفقد دمشق الأمل في إمكانية عودة الإنتاج الغازي إلى مستوياته السابقة، ريثما تتمكّن الدولة من استعادة سيطرتها على الحقول والآبار الموجودة في المنطقة الشرقية

قبل أربعة عشر عاماً، توقَّع مدير شركة نفط غربية تعمل في سوريا أن يكون للغاز «مستقبل جيّد» في هذا البلد، لسببَين: الأول حاجة البلاد إلى الطاقة، والتي ستدفعها إلى تكثيف عمليات الاستكشاف والتنقيب والتعاون الإقليمي؛ والثاني هو موقعها الجغرافي الذي يؤهّلها للعب دور مهم كمحطّة ترانزيت رئيسة لعبور خطوط الغاز الإقليمية والدولية. لم تكد تمضي سوى ثلاث سنوات ونيّف على ذلك الحديث، حتى دخلت البلاد أتون حرب أفقدتها تدريجياً، وبشكل شبه كامل، السيطرة على ثرواتها النفطية والغازية، ليتحوّل البلد المنتِج للنفط إلى مستورِد له في ظلّ عقوبات غربية خانقة. ومع هذا، لم يُكشف رسمياً، إلى الآن، ما إن كانت بعض مشروعات الغاز الإقليمية قد أسهمت فعلاً في نشوب تلك الحرب، أو في حدوث تحوُّل مفاجئ في مواقف بعض الدول والحكومات من العلاقة مع دمشق. على أيّ حال، جاء المستقبل الذي تَوقّعه المسؤول النفطي الغربي قاتماً، فما تنتجه سوريا اليوم من غاز طبيعي لا يتجاوز 40% تقريباً من إنتاج ما قبل الأزمة، وهو لا يكفي سوى لإنارة منازل السوريين لبضع ساعات قليلة، فيما القسم الأكبر من حقولها وآبارها ومعاملها لا تزال خارجة عن سيطرة الدولة، ويُستثمر بعضها بشكل غير قانوني من قِبَل قوات الاحتلال الأميركي والمجموعات المتحالفة معها، والبعض الآخر يحتاج إلى إعادة تأهيل وإصلاح.

فقدان الطمأنينة
كانت البلاد، قبل عام 2011، مطمَئنّة إلى استقرار توريداتها من الغاز الطبيعي محلّياً أو خارجياً. فمن جهة، وصل إنتاجها اليومي إلى حوالى 29 مليون متر مكعّب، تتمّ معالجتها في سبعة معامل حكومية مُوزَّعة جغرافياً في المنطقتَين الشرقية والوسطى، وسط مؤشّرات آنذاك إلى اكتشافات جديدة من شأنها دعم الاستقرار الإنتاجي وزيادته تدريجياً لتلبية احتياجات البلاد المتزايدة، وهذا ربّما ما جعل إنتاج البلاد اليومي يقفز مع نهاية عام 2011 إلى حوالى 30.1 مليون متر مكعّب، مُسجِّلاً بذلك أعلى مستوى له حتى الآن. ومن جهة أخرى، شَكّلت المشاركة السورية في مشروع إنشاء خطّ الغاز العربي ضمانة إضافية من شأنها سدّ أي نقص محتمل في توريدات الغاز، وتصدير الفائض المتاح مستقبلاً أيّاً كانت كمّيته.
لم تَدُم طويلاً الطمأنينة السورية. إذ منذ منتصف عام 2012، بدأت معدّلات إنتاج الغاز تنخفض تدريجياً تحت وقع تطوُّرات الوضع الأمني، والتي كان من أبرزها تفجير خطوط نقل النفط والغاز، وانسحاب الشركات الأجنبية العاملة في القطاع بفعل العقوبات الغربية التي فُرضت على دمشق، وسيطرة مجموعات مسلّحة بمختلف تسمياتها وأهدافها على حقول النفط والغاز. وبدا ذلك الانخفاض ملموساً مع تراجُع حجم الإنتاج من حوالى 27.5 مليون متر مكعّب في عام 2012، إلى حوالى 17.1 مليوناً في عام 2013، واستمرار تراجُعه في السنوات التالية ليُسجِّل في عام 2016 أدنى مستوى له، حيث بلغ إنتاج الحكومة حوالى 6.5 ملايين متر مكعّب يومياً، وهو دون ما تحتاجه يومياً محطّات توليد الطاقة الكهربائية، والمُقدَّر آنذاك بحوالى 12 مليون متر مكعّب، الأمر الذي تسبّب بزيادة ساعات التقنين الكهربائية، إضافة إلى توقُّف المعامل والمنشآت الإنتاجية والخدمية عن العمل، وما شَكّله من تهديد مباشر لمصدر معيشة آلاف الأسر. وعلى رغم أن عام 2017 سجّل ارتفاعاً بسيطاً قدره مليون متر مكعّب عن العام السابق، إلا أنه بقي دون المأمول.

انطلاقاً من منتصف عام 2012، بدأت معدّلات إنتاج الغاز تنخفض تدريجياً

ووفق خريطة الإنتاج الحكومية قبل الأزمة، فإن الجزء الأكبر من إنتاج البلاد كان يأتي من حقول المنطقة الوسطى (حيان، إيبلا….)، والتي تنتِج يومياً حوالى 5.5 ملايين متر مكعّب. إلا أن ذلك الإنتاج تراجَع خلال سنوات الأزمة إلى ما يقرب من 3.5 ملايين متر مكعّب؛ إذ إن الحقول المحيطة بمدينة دير الزور، والتي تنتِج حوالى خمسة ملايين متر مكعّب يومياً، توقّف إنتاجها بفعل الحرب، وكذلك بالنسبة إلى مجموعة حقولٍ كحقول الحسكة التي تبعد عن مدينة القامشلي 40 إلى 100 كم ويبلغ إنتاجها حوالى 1.8 مليون متر مكعّب يومياً، وحقول الجبسة جنوب الحسكة والتي يبلغ حجم إنتاجها حوالى مليونَي متر مكعّب، وصولاً إلى حقول الثورة شرق مدينة الرقة والبالغ إنتاجها حوالى 1.3 مليون. وتُعدّ معظم هذه الحقول خارج سيطرة الحكومة، وهي متوقّفة عن الإنتاج باستثناء حقول الحسكة الواقعة تحت سيطرة «قسد»، والتي تشير التقديرات إلى أنها تنتِج حالياً ما يقرب من 1.6 مليون متر مكعّب، إضافة إلى حقول ريف دمشق المتمركزة في منطقة قارة، والتي اكتُشفت في عام 2010 ولم توضع في الخدمة إلّا في عام 2018.

من «داعش» إلى «قسد»
ومع أن خريطة السيطرة على حقول النفط والغاز لم تتغيَّر كثيراً مع اندحار تنظيم «داعش» والمجموعات المسلّحة الأخرى، حيث فرضت «قسد»، بدعم أميركي مباشر، سيطرتها على معظم الحقول المنتشرة في المنطقة الشرقية، إلّا أن الحكومة واجهت مشكلة أخرى لا تقلّ صعوبة عن استمرار خروج حقول مهمّة عن السيطرة، تتمثّل، بحسب خبير الطاقة الدكتور زياد عربش، في الحصول على التقنيات الحديثة لتحسين كفاءة عمليات الإنتاج وإعادة تأهيل وإصلاح الآبار المتضرّرة والقيام بعمليات الاستكشاف والتنقيب، لا سيّما في ظلّ العقوبات الغربية التي تمنع عمليات الاستثمار أو توريد المعدّات والآلات التكنولوجية لقطاع النفط السوري. وهو ما يفسّر تراجُع إنتاج البلاد (بعد ارتفاعه من حوالى 6.5 ملايين متر مكعّب في عام 2016 إلى حوالى 16 مليوناً في عام 2018) ليصل وسطياً إلى 15.6 مليوناً في عام 2019، وإلى حوالى 14.6 مليوناً في عام 2020، أي أن الإنتاج الوطني تراجَع، بعد عشر سنوات من الحرب، بحوالى 48.5%، في نسبة أقلّ مما سُجِّل عندما كانت حقول المنطقة الوسطى تحت سيطرة «داعش» وغيره من المجموعات المسلحة.
ما سبق من تطوُّرات سلبية كان كافياً ليحبِط السيناريو الذي وضعته الحكومة السورية لقطاع النفط والغاز في عام 2017، في ما لو عادت جميع الحقول إلى سيطرتها؛ إذ كان من المفترض، وفق السيناريو المذكور، أن يرتفع تدريجياً إنتاج البلاد من الغاز الطبيعي ليصل إلى أعلى مستوى له في عام 2020 (حوالى 24.8 مليون متر مكعّب)، وليعاود بعد ذلك الانخفاض، وبشكل تدريجي أيضاً، وبأقلّ من مليون متر مكعّب سنوياً، ليصل في عام 2032 لحوالى 16.6 مليون متر مكعّب. إلا أن تعذُّر ذلك ألجأ الحكومة إلى اعتماد سيناريو بديل يقوم على محورَين أساسيَّين: الأول تطوير الإنتاج من الحقول والآبار الخاضعة لسيطرتها بالاعتماد على الإمكانيات الفنّية المحلّية، في مهمّة ليست سهلة بالنظر إلى صعوبة تأمين قطع التبديل وتقادُم التقنيات المستخدمة في عمليات الاستثمار؛ والثاني يتمثّل في تنشيط عمليات الاستكشاف والتنقيب، وخصوصاً في المناطق المأمولة، بحسب مسؤول نفطي، ضماناً لنجاح تلك الخطوة في ضوء محدودية الإمكانيات والموارد، والحاجة الماسّة إلى أيّ كمّيات جديدة من الغاز لدعم ما هو متاح حالياً، فضلاً عن التوجُّه نحو إقامة محطات لتوليد الطاقة الكهربائية باستخدام الطاقات المتجدّدة بغية تأمين جزء من احتياجات البلاد، بالنظر إلى حتمية هذا التحوُّل المتزايد عالمياً.

الأمل قائم
لا تفقد البلاد الأمل في إمكانية عودة الإنتاج الغازي إلى مستوياته السابقة، ريثما تتمكّن الدولة من استعادة سيطرتها على الحقول والآبار الموجودة في المنطقة الشرقية. وبحسب مسؤول نفطي، فإن مصادر ذلك الأمل متعدّدة، وأوّلها تفعيل العقود العديدة المُوقَّعة مع الدول الصديقة، خاصة أن محور عملها هو في المناطق الآمنة، كما أن النجاح في إدخال تكنولوجيا جديدة من شأنه تعزيز الإنتاج وزيادة كمّياته من الحقول المنتَجة حالياً. أمّا في ما يتعلّق بالاكتشافات الغازية في المياه الإقليمية السورية، فإنها، على أهمّيتها المستقبلية، لن يكون استثمارها متاحاً على المدى القريب، إذ إن تكلفة حفر بئر واحد تصل إلى أكثر من 100 مليون دولار، وفي حال تأكَّد وجود نفط أو غاز، فإن البدء باستثمار البئر يحتاج إلى حوالى 4 سنوات، هذا إضافة إلى الكلفة العالية المقدّرة لإصلاح وتأهيل المنظومة النفطية والغازية بالكامل والتي تقول التقديرات الرسمية إنها قد تتجاوز 12 مليار دولار.
#سفيربرس _ بقلم:  زياد غصن 

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *