كتبت فتون الصعيدي: إيقافُ دوامِ المدراس واستمراره… مابين فرحٍ واستياء ..!!

#سفيربرس

ما إن جاء قرارُ إيقاف الدوام وتعليقه إلا ولاحظ الجميع كيف ارتسم شعور الفرح والانبساط على وجوه الطّلاب وبعض المعلّمين، تُعبر عنه كتاباتهم وتعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وكأنهم كانوا في سجن وأُفرج عنهم..!
أما عن الاستياء فأنا لا اقصد “للأسف” الاستياء بسبب العطلة وإنما على العكس فقد وصل الحال المتردي بين الطّلاب وبعض المدرسين إلى اعتبار قسم منهم أن الذهاب إلى المدرسة كابوس يرقد على صدورهم !
فنجد كثيراً ممن لم يشملهم القرار مُمْتعِضين ويحسدون الذين عطلوا مع شعورهم بالظّلم لاستمرارهم في الدوام…!
لعلنا جميعا نعي تمامًا أن كراهية المدارس أمرٌ متفق عليه بين جميع طلاب العالم تقريبًا إلا القلة القليلة من بعض الطّلاب في بعض الأماكن هذا فضلا عن بعض المناطق التي تتبع مناهج ومنظومات تعليمية مختلفة ومغايرة وهي قلة أيضًا ولكن كراهية الدوام ظاهرة خصوصًا في وطننا العربي
وبغض النظر عن باقي العالم إن أي ناظر بعمقٍ إلى حال مدارسنا يرى بوضوح أنه لا توجد رابطة حب بين الطّلاب وبين المدرسة من جهة ولا رابطة اقبال بين المعلمين والدوام من جهة أخرى، وهذا أمر لا يستهان به إطلاقًا وله تداعيات خطيرة على جميع الأصعدة.
والسؤال الذي يطرح نفسه بشدة والحاح : لماذا يكره طلابنا ومدرسينا المدرسة والدوام؟
“حرمان من اللعب واجهاد مع جهٍل بأهميتها”
يقول جواد وهو أحد طلاب الصف الثامن أكره المدرسة لأنني أكره الدروس، فهي ليست ممتعة وصعبة، كما أنني أكره المدرسين، فهم عندما يغضبون يصفوننا بالفاشلين والجيل (المايع) وينظرون إلينا باحتقار وأحيانًا يقومون بالتوبيخ والضرب.
كما أن الدوام يحرمنا من اللعب، ومشاهدة برامجنا المفضلة، وأهلنا يريدون منا الدراسة في كل الأوقات، ويريدون علامات عالية، إذا لم نحصل عليها عاقبونا.
وتقول ليان فتاة في الصف الرابع: لا أحب المدرسة لأنها مملة، لا جديد فيها، كلها روتين، نستيقظ باكرًا بسببها، ونجبر على النوم باكرًا بسببها أيضًا، الوظائف كثيرة، فلا نكاد نخرج من المدرسة حتى نمضي معظم يومنا ونحن نكتب وظائف وواجبات، كما أن زميلتي تحصل على جميع الامتيازات دونًا عن باقي الطلاب لأنها ابنة معلمة في مدرستنا وأنا اكرهها.
أما حسام الطالب في مرحلة الثانوية فيقول:
أكره المدرسة لأنها بلا فائدة!، فها هم حملة الشهادة بلا عمل

“مجهود كبير وسوء فهم للقوانين التربوية ورواتب لا تكفي”
هذا عن المدرسين:
فنادية وهي معلمة لغة عربية للمرحلة الاعدادية
عبرت عن رأيها بالقول : لا أحب الدوام لأن المدرسة متعبة، تستنزف قوانا وأعصابنا، وأكره الطلاب المشاغبين الكسالى الذين يستفزوننا، كما أن جهودنا تذهب أدراج الرياح، فالطلاب لا يهتمون، والمطلوب منا هو فوق طاقتنا.
وأردفت : في زمننا هذا المعلم أصبح سخرية للطلاب، فقد احترامه، والسبب هو هذه القوانين التي تصدر، والتي جردت المدرس من أي احترام وتقدير.
وتقول الأنسة هيا •معلمة في الحلقة الأولى• :
مهنة التعليم راتبها قليل ولا تساعدنا ايضًا على تحقيق أحلامنا التربوية، فالمناهج قاصرة ومحشوة بالكثير من المعلومات، ونحن مقيدون بها وبقوانين نلمس مدى بعدها عن التطبيق من خلال ممارستنا لمهنة التدريس.
أما الاستاذ نزار وهو معلم في المرحلة الثانوية فيقول :
أكثر من يزعجني أننا نعلم الطلاب أشياء عديدة لا تفيدهم، والواقع شيء آخر.
هذه بعض من الأسباب التي تجعل من دوام المدرسة كأنه عقوبة للمعلمين، أو بأحسن الأحوال شرّ لا بد منه

((مافرقه الدوام جمعته العطلة ))
كلنا يعلم سوء العلاقة بين المدرسين والطلاب، وكثيرًا ما نسمع أو نقرأ عن تنمر الطلاب على أساتذتهم، والنكات التي يؤلفونها عليهم
“ولكن ما السبب الذي جعل العلاقة بين الطّالب والأستاذ سيئة إلى هذا الحد؟ ”
فهنالك ايضا أسباب كثيرة لذلك، منها:
1ـ عدم تأهيل المدرسين بشكل جيد، وعدم تدريبهم بالشكل الكافي على التعامل الأمثل مع الطلاب، فليس كل المدرسين على دراية بالطرق اللازمة للتعامل مع طلابهم، ولا على ما يجعلهم أكثر فهمًا لنفسية التلاميذ في مراحل سنيهم المختلفة، وهذا ينعكس على معاملتهم لطلابهم، فيتعالون عليهم ويحتقرونهم ويسخرون منهم، ولا يقدرون مدى الأذى الذي يلحقونه بطلابهم من جراء التعامل معهم بمثل هذه الطرق، وهذا يدفع الطالب إلى النفور من أستاذه وكرهه.
2ـ المدرس يعمل في ظل ظروف صعبة جدًا، فهناك عدد كبير من الطلاب في الصف الواحد، وكثير من هؤلاء الطلاب يميل إلى الحركة والشغب، والمدرس ملاحق بالمنهاج الطويل، والويل له إن تأخر في إعطائه، لذلك نراه يحاول بشتى الطرق ضبط الصف ليعرف كيف يعطي درسه ويكسب وقته، فيلجأ إلى الصراخ والشتائم وأحيانًا الضرب مع معرفته التامة بأنه ممنوع وأنه سيحاسب على ذلك إن اشتكى عليه أحد الطلاب أو عائلاتهم، ولكنه يفعل ذلك لأنه يتعرض هو لضغوط كثيرة، فتفلت أعصابه ويلجأ إلى هذه الأساليب التي تنفّر الطلاب وتزرع في قلوبهم البغض للمدرسين.
3ـ إن كثيرًا من أهالي الطلاب يلعبون دورًا سلبيًا، ينعكس على علاقة الطالب بأستاذه، فكثير من الأهل يتحدثون عن الأساتذة باستخفاف وقلة احترام، وكثير منهم أيضًا يحرضون أولادهم على أساتذتهم، ويرفضون أن تُوجّه إلى أولادهم أية ملاحظة من الأستاذ، فنرى الطالب المقصر، وقد ملّ الأستاذ من كتابة الملاحظات لأهله، دون أن يجد تجاوبًا منهم، ولكنه بمجرد أن يمس الولد بسوء فإن قيامة الأهل تقوم وتثور ثائرتهم ويأتون للدفاع عن ولدهم ضد اعتداء المدرس الغاشم، وبالطبع فإن أسلوب التعامل هذا ينعكس على علاقة الطالب بأستاذه.
4ـ القوانين التي تصدر عن مسؤولي التربية تهدف بالدرجة الأولى لتحسين العملية التربوية، ولكننا نجد أن كثيرًا من هذه القوانين لم تؤدِ إلى تحسين ظروف التدريس، ولا إلى زيادة التقارب بين الطلاب والأساتذة، فعلاقة المدرس مع طلابه تنحصر بالتلقين، والتلقين فقط، خاصة في مرحلتي التعليم الاعدادي والثانوي وليس هناك نشاطات مشتركة يستطيع المدرس القيام بها مع طلابه، فالنشاطات المدرسية قليلة جدًا، وهي مع ذلك تتم بعيدًا عن الأساتذة وتكون من اختصاص لجان إما من الطلاب الأكبر سنًا، أو من اختصاص مدرس الرياضة ومسؤولي النشاط، كما أن قرار منع التمييز بين أبناء الأطر التعليمية وبين باقي التلاميذ لم يؤخذ على محمل التطبيق.
5ـ وبالنسبة للقوانين أيضًا، فإن كثيرًا من المدرسين يشعرون أنها موجهة ضدهم بالدرجة الأولى، فهناك سوء فهم لهذه القوانين وعليه عدم التأهيل التربوي الكافي يوصل إلى سوء الفهم هذا، كما أن المدرس يجد بين طلابه كثيرًا من الكسالى والمقصرين، الذين يحيلون الدرس إلى ساحة معركة، وممنوع عليه إخراجهم خارج الصف، كما أنه ممنوع من معاقبتهم، وحتى من تهديدهم بإنقاص العلامات، مما يثير أعصابه، طبعًا إلزامية التعليم أمر ممتاز وجيد، ولكنه يحتاج إلى دراسة ومتابعة، فهؤلاء الطلاب المقصرون نجد أن كثيرًا منهم قد لا يجيد حتى القراءة ، فيجلس في الدرس وهو لا يعرف شيئًا ولا يفهم شيئًا، فيلجأ للشغب والحركة من أجل تمضية الوقت، فنحن في مدارسنا لا نراعي التفاوت بين مستويات الطلاب، وأعتقد أن وجود مدارس للمتفوقين لا يعفي من العناية بالمقصرين.
كثير من الطلاب يكرهون المدرسة بسبب الضغوط التي يتعرضون لها ، فبالإضافة إلى سوء العلاقة مع المدرسين الذي مر الحديث عنه، نجد ضغطًا من الأهل والأساتذة من أجل الحصول على العلامات العالية والتفوق، والحجة تأمين المستقبل، وكما نعرف فإن الشهادة الثانوية وارتفاع المعدلات جعلت من بعض أهم الكليات التي يرغب الأهالي لأبنائهم بارتيادها حلمًا للكثيرين، لذلك نجد أن الأهل يضغطون ضغطًا كبيرًا على أولادهم، من أجل الحصول على أعلى العلامات، وكثير منهم لا يهتمون بمدى فهم الطالب لما يدرسه، ولا بطريقة حصوله على العلامات حتى لو استخدم أساليب الغش المتنوعة.
هناك خلل كبير في فهمنا لضرورة التعلم، فالكثير من الناس يعتبرون أن الشهادة هي الغاية، هذه الشهادة التي ستؤمّن العمل، والمركز الاجتماعي، وليس المهم أي شيء آخر، والقليل جدًا من الناس، يرون في العلم الغاية المرجوة، ويسعون لكي يكون أبناؤهم متعلمين حقًا، ومثقفين حقًا، يعرفون كيف يستفيدون من علمهم، حتى لو لم يحصلوا على معدل عالٍ يدخلون بواسطته إلى فروع الجامعة الحلم.
كل هذا يجعل الطالب يكره المدرسة، وخصوصًا إذا كان لا يملك الإمكانات اللازمة للتفوق، فالأهل والمدرسون لا يقدّرون قدرات الطلاب، ولا يسلّمون بأن هناك اختلافات بينهم في درجة الفهم والاستيعاب، وقابلية الاستجابة، وسرعة الحفظ، وحتى الرغبة في التعلم.
من الأمور التي تجعل الطلاب يكرهون المدرسة أيضًا، هي كون المدارس تفتقر إلى الجاذبية، بدءًا من شكل البناء المدرسي، وصولًا إلى افتقار المدارس لما يمكن أن يجذب هؤلاء الطلاب:
1ـ فالدروس تعتمد على الجانب النظري البحت، وقليلًا ما تكون عملية، أو تتيح للطالب إبراز شخصيته ومواهبه، 2-اهمال وسائل النشاط المختلفة، فالرياضة المدرسية تعاني من قصور كبير، ودروس الرسم والموسيقى عبارة عن تمضية للوقت ليس إلا، بالوقت الذي لو أدركنا أهميتها في المرحلة الراهنة لصرفنا لها كل جهد ووقت، أما المكتبة المدرسية تحتوي على مجموعة قليلة من الكتب التي لا تغري الطالب بالقراءة، والمخابر العلمية وضعها لا يسر غالبًا.
3- مدارسنا تفتقر إلى روح التعاون، وروح المسؤولية، ونحن إلى الآن لا نشعر بأهمية التربية والتعليم، صحيح أن هناك عبارات كثيرة تُردد دائمًا عن أن الأطفال هم أمل المستقبل، وأن المعلم هو صانع الأجيال… إلخ، ولكننا حتى الآن لا نشعر بأهمية التربية والتعليم، ولا نسعى فعلًا لتنشئة جيل يعرف واجباته وحقوقه، ويعرف مسؤوليته في بناء مجتمعه، وهذا القصور في فهم أهمية التعليم وغايته وأهدافه يجعلنا بعيدين عن جعل المدرسة متعة، يجب أن يشعر الطالب بمتعة الاكتشاف، ومتعة المغامرة، ومتعة التميز، ومتعة الطفولة، وكل ذلك لن يتحقق طالما بقيت مدارسنا أماكن حبس للطلاب، يُحشرون فيها في صفوف مكتظة، ويقوم مدرس، وبطريقة عنيفة في أغلب الأحيان، بعملية حشو أدمغتهم بمعلومات لا يعرفون فائدتها لمستقبلهم، ولا يشعرون بمدى ارتباطها مع واقعهم.
4- هناك حشو كثير، وتكرار، وأحيانًا سطحية ومثالية كبيرة، بحيث يشعر الطلاب والمدرسون على حد سواء بعدم منطقية ما يعطى للطلاب من معلومات وخصوصًا في المواد الأدبية.
أما المواد العلمية فهي بعيدة عن التطبيق، بعيدة عن الممارسة، لا يعرف الطالب فائدة دراسته لها، مع أن من المفترض أن تكون هذه المناهج بوابة للمستقبل.
بالإضافة إلى أن هذه المناهج لا تساعد أبدًا على اكتشاف مواهب الطلاب، فالمطلوب من الطالب بعد كل درس كتابة وظيفة، يقوم معظم الطلاب بكتابتها بطريقة سيئة أو يقومون بنسخها من بعضهم أو من دفاتر من سبقهم من الطلاب، ومن ثم يُطلب منه حفظ الدرس من أجل ترديده كالببغاء.
5- وحتى لو حاول المدرس بجهده الفردي أن يعطي للطالب نشاطًا خارجيًا، وتطبيقًا للمناهج يجد عقبات كثيرة تقف في طريقه، بالإضافة إلى أنه مطالب بإنهاء المنهاج في وقته المحدد، فإن هذا المنهاج طويل، مع كون عدد الحصص وتوزيعها ومدتها لا تترك للمدرس فرصة للقيام بمثل هذه النشاطات.
لا أعرف ما الحكمة من إعطاء الطلاب دروسًا كثيرة لا يعرفون لماذا يتعلمونها؟ ولا أفهم ماالحكمة من حشو أدمغتهم بمعلومات لا يستطيعون تطبيقها على أرض الواقع؟!
عدا أنها كلها على حساب برامج تنمية التفكير ومهاراته
وعلى حساب تنمية الإبداع والتخيل والابتكار.
ما المغزى من تكثير الدروس بهذا الصورة المتضخمة، والتي لا تترك للطالب أي وقت لممارسة هواية يحبها، أو تنمية مهارة يريدها ويحتاجها في حياته؟
لذا كان حب العطلة أمرٌ متفق عليه بين الطالب والمعلم.
نحن لا نشعر بخطورة تقصيرنا بحق أولادنا وأنفسنا، نطالب
ونشتكي ونتحمل التعب والإرهاق، ولا نحاول الخروج مما نحن فيه.
فهل من الاحترام أن نجعل قرار إيقاف الدوام مادة للاحتفال والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي.؟!
إن تعاوننا جميعًا هو السبيل الوحيد لتحسين العملية التربوية، و المهم هو الرغبة في العمل الفاعل المنتج، وفهم وظيفة التعليم، هذه الوظيفة التي يجب أن تسعى لخلق الإنسان الفاعل، الإنسان المهتم بمجتمعه ووطنه، الساعي لرفعته ونهضته والعامل لخدمته، المؤدي لواجباته بضمير، الذي يؤمن أنه إنسان مسؤول، إنسان بالدرجة الأولى مخلص ومنتمي لوطنه والانتماء يبدأ أولًا من الأسرة والمدرسة.

#سفيربرس  _ فتون الصعيدي

 

 

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *