“نغير عليك” حتى المشرق, فرقة Yuma تُشعل ليالي “مهرجان بوغرنين الدولي” وتعد “سفير برس” بلقاء قريب مع الجمهور السوري
#سفيربرس _ تونس _ نورس برو

في ليلة من ليالي الصيف التي تُكتب بماء الذهب، وعلى مدرجات مسرح الهواء الطلق في حمّام الأنف، ولاية بن عروس, تونس, اجتمع الفن بالجمال، وتقاطعت الأنغام مع الحنين، لتحفر فرقة Yuma التونسية سطراً جديداً في دفتر الموسيقى البديلة في تونس, وذلك ضمن فعاليات مهرجان بوغرنين الدولي، كان الجمهور على موعد مع حفل استثنائي، جمع بين الشجن والمتعة، الغناء والتفاعل، الطرب والتجريب.
ليلة لم تكن عادية بكل المقاييس، أحيتها Yuma بكل ما تملك من حسّ موسيقي، وغنى ثقافي، وتجريب صوتي متناغم بين “صابرين جينهاني وراي زوغلامي” فكانت النتيجة، حالة وجدانية قلّ نظيرها، وحوار حيّ بين موسيقى تمسّ القلب، وجمهور تفاعل معها بكل جوارحه.
جمهور غفير وأجواء لا تُنسى
منذ الساعات الأولى للمساء، بدأت أفواج الجمهور تتقاطر على مسرح الهواء الطلق في حمّام الأنف. شباب وكهول، نساء وعائلات، محبّو موسيقى Yuma، ومن تستهويهم التجارب الغنائية البديلة، جاؤوا من كل صوب وحدب.
ومع صعود الفرقة إلى الركح، اشتعل المسرح بهتافات الحضور، ليبدأ عرض لا يُنسى وسط تنظيم جيد، وأجواء محاطة بوهج فني وإنساني استثنائي، لم تخلُ من لحظات التأمل، والرقص، والغناء الجماعي.
سحر خاص وتوقيع موسيقي أصيل
منذ أول نغمة، استطاعت Yuma أن تفرض أجواءها الساحرة. ومع مطالبات الجمهور قدمت الفرقة أغنيتها الشهيرة “نغير عليك”، التي شكّلت حالة إحساسية ناعمة وعاطفية، قُدّمت بإحساس رفيع من “صابرين جينهاني” التي تمتلك صوتاً يُشبه الناي حين يذوب في ضوء القمر.
صوتها الأوبرالي العذب، وتلوينها الصوتي الذي يتنقّل بسلاسة بين المقامات، جعل من كل أغنية رحلة في ذاتها.
أما “رامي زوغلامي” فكان رفيق الحب والدرب الموسيقي الذي يعرف تماماً كيف يُحاور صوت “صابرين” لا يعزف فقط بل يتنفس مع الغيتار. مزجَ بين الجاز والبلوز والكلاسيك والموسيقى الريفية الأمريكية، وأحياناً، تأخذك نغماته إلى الجنوب التونسي، حيث الرمل والحنين والطفولة.
قدّمت الفرقة مجموعة من أشهر أغانيها مثل “صامد”، “تعرفني”، “ليا سنين”، و”نغير عليك”، بالإضافة إلى باقة من الأعمال الجديدة، مازجةً بين التوزيع الحي الحديث والروح التونسية الأصيلة. اللافت أن Yuma لا تكتفي بتقديم الأغنية، بل تحوّلها إلى مونولوغ درامي أحياناً، وحوار مسرحي موسيقي أحياناً أخرى، فتمنح جمهورها عرضاً غنائياً وفنياً متكاملاً.
لفلسطين حضور دائم… الفن لا ينسى قضاياه
وسط هذه الأجواء الاحتفالية، لم تغب القضية الفلسطينية عن قلب Yuma. خصصت الفرقة فقرة غنائية مؤثرة لفلسطين تمزج ما بين الحزن والصمود، مستلهمة من نضال الشعب الفلسطيني معاني الحرية والكرامة. تفاعل الجمهور بقوة، ووقف بعضهم مصفّقين ومتأثرين، في لحظة التقت فيها الموسيقى مع القيم، والفن مع الموقف، والغناء مع الوطن.
فسيفساء عالمية بروح تونسية
ما يميز Yuma فعلاً هو قدرتها على خلق “توليفة” موسيقية خاصة بها. عند الاستماع لأعمالها، يمكن تمييز بصمات الجاز والبلوز والموسيقى الكلاسيكية، مروراً بالكاونتري والموسيقى الصحراوية، وصولاً إلى الشجن الشرقي. هذه الفسيفساء الموسيقية لا تأتي عبثاً، بل نتيجة بحث مستمر، وشغف بالاكتشاف، ورغبة في تجاوز القوالب الجاهزة.
ما تقدّمه Yuma ليس مجرد غناء، بل تجربة متكاملة تتراوح بين السرد، الغناء، التمثيل الصوتي، والمسرحة، حتى تحوّل الأغنية إلى “دراما موسيقية مصغرة”.
حصرياً لسفير برس…
من جهتها خصت Yuma موقع “سفير برس” بهذه الدردشة الصحفية الحصرية في ختام الحفل، حول الجمهور السوري والشرق الموسيقي العربي.
“عندما نستمع إلى موسيقتكم نسمع جميع أنواع الموسيقى، بالإضافة إلى أنماط المونولوغ والديالوغ في الغناء. في المشرق نسمع هذا النوع عند الراحل زياد الرحباني… هل فكّرتم بالاقتراب موسيقياً من جمهور المشرق وسوريا تحديداً؟”
فجاء الرد من “صابرين ورامي” متطابقاً تقريباً، وبنظرة متأمّلة:
“في الحقيقة، هذا السؤال منحنا فكرة جديدة ومُلهمة. مع أننا نعرف بأنه بدينا جمهوراً جيداً في المشرق، لكنّنا الآن ندرك أن ثمة قواسم موسيقية وروحية تجمعنا, وفكرة أن نقترب أكثر من جمهور سوريا عبر أداء أغنية مشرقية، أو حتى التعاون مع جهة موسيقية مشرقية، أصبحت الآن احتمالاً وارداً، بل وجذاباً جداً لنا.”
“هل من الممكن أن نراكم في سوريا في المستقبل؟”
أجاب “رامي” مبتسماً:
“حفلة في سوريا؟ هذا حُلم بالنسبة إلينا. نحن نعرف أن لدينا جمهوراً في سوريا، ونتابع التعليقات والتفاعل معنا من هناك. حين تستقر الأوضاع، نعد جمهور سوريا بأن نكون هناك، نغني معهم، ونحمل رسائلنا إليهم على المسرح، لا من خلف الشاشات فقط.”
Yuma وجمهور المشرق… مسافة من الإحساس فقط
ما بدا واضحاً من خلال الحفل، ومن تصريحات Yuma، أن جمهور المشرق، وسوريا خصوصاً، ليس بعيداً عن تجربتهم، لا في الروح، ولا في الذائقة. لعلّ الفرق الوحيد هو المسافة الجغرافية وبعض التباينات الثقافية، لكنّ الإحساس، والرسالة الفنية، والتوق إلى المعنى، كلها مشتركات تؤسس لمرحلة قادمة من التقارب.
ليلة ستحفظها الذاكرة، وفرقة تعد بالكثير
ليلة Yuma في مهرجان بوغرنين لم تكن حفلة فقط، بل كانت حدثاً فنياً وثقافياً وجدانياً. في زمن يتغيّر فيه كل شيء بسرعة، تأتي موسيقى Yuma لتقول لنا إن الفن لا يزال ممكناً، وإن الأصالة يمكن أن تجد لغتها الخاصة وسط التجريب، وإن التونسي يمكنه أن يطير بصوته من جبال تونس إلى بيروت ودمشق.
وعدت Yuma بحفلة في سوريا، ونحن ننتظر أن نراهم هناك… في مسرح قلعة دمشق، أو في دار الأوبرا… نغني معهم “نغير عليك”، ونردّد معهم “صامد”… لأن الموسيقى، كما قال أحد الحضور، “هي الوطن حين يتعب الوطن”.
#سفيربرس _ تونس _ نورس برو




