إعلان
إعلان

حين تُقصى الكفاءة وتُكافَأ الدسائِس.. بقلم : سعيد عمران المعمري

#سفيربرس _ مسقط

إعلان

في مؤسسات يُفترض أن تكون حاضنات للتميز تنقلب أدوارها في مُحاربة المُجتهد وتكريم المُداهن ، وتبدأ فصول الحكاية حين يَضُن الطَمُوح أن الأبواب تُطرق بالعلم والإخلاص دون أن يعلم أن بعض الأقفال لا تُفتح بالمفاتيح بل بالمُجاملات وحياكة المؤامرات.

وسيناريو الحديث عن موظف مُثابر لم يكن يطلب امتيازا بل فرصة للعلم على نفقته الخاصة بعدما تعذرت فرص مساعيه للدعم الحكومي أسوة بمن سبقوه ، كان على مدى خمسة أعوام وهو يطرق الأبواب ولا رد سوى الصمت حتى أتى مسؤول من طينة مختلفة مُؤمن بالعلم لا بالأهواء فمنح الضوء الأخضر فارتقى الموظف في سُلم المعرفة ، وعاد مُتوجا بدرجة الامتياز شاهدا بأن الحُلم لا يُجهض متى ما كان صاحبُه عنيدا.

لكن العودة كانت صادمة ، الوجوه تغيرت والدعم اختفى، ومر بجوار مكتبه القديم فوجد المكتب مُحتلا من قبل موظف جديد زَرع جذوره فيه ، ولم يقل له ” مرحبا ”  ولا حتى عذرا من تكون ؟ ، ولا استقبال ولا تهنئة بل استهزاء مُبطن ، وجلس ذات يوم مع المسؤول الجديد وبحضور معاوِنيْه المُلتصِقين به من المُختارين بالرضاعة الإدارية أحدهما المُدلل الذي وجده بكبرياء في مكتبه السابق ، وسألوه عن دراسته فقال بتواضع ” علوم خدمة العملاء وإدارة التسويق عبر الإعلام الجماهيري لسعادة عملاء الخدمات الحكومية ” فضحك المسؤول وقال : ” لسنا بحاجة لدراسات وتوصيات لِكوننا المُحتكرين لقطاع الخدمة ، وبالعامية وضحها ” الراغب للخدمة الحيوية الأساسية المُقدمة غصبا عنه سيأتينا فلا منافس معنا وعليه سنقدم الأهداف التجارية على أهداف رضا العملاء ” ثم التفت إلى رفِيقيْه وقال : ” كونا أمامي لا ورائي حتى أستطيع دفعكما من الخلف ” ضَحِكا وضَحِكَ معهم ، وظنها مزحة لكنها كانت في واقعها فلسفة اقصاء علنية عبر كلمات تنتمي لعصر الفرض لا الخدمة ، وللجمود لا التطوير  ، وبعد يوم سأله عبر اتصال هاتفي عن وضعه المهني بعد تقدمه العلمي ،  قال له : ” حتى لو حضرت لابسا الدكتوراة ستبقى أخصائيا مُتخصصا في الانتظار ” ، وهذا الرد أزعجه بشكل كبير فلجأ إلى أهل الرئاسة الذين يعرفون قيمته المؤسسية نظير عطاءاته المتدفقة التي ترك بصمتها في النظام المؤسسي قبل رحلة الدراسات العليا ، ووجد بفرح أُذنا صاغية ممن لا يزالون يؤمنون بالحق ، وأنصفوه بصدور قرار تعيينه مشرفا إداريا في محافظته ، وبعد اكتسابه حقه الطبيعي أول خطوة قررها هي الذهاب إلى المسؤول الذي تحدى تقدمه ليُزيح ما مضى لفتح صفحة جديدة ، وبعدما شعر بارتياح من المقابلة في بادئِها لاحظ أن المسؤول حرك كُرسيه وقال له بما يُزعِج ، وطلب منه المستحيل للدخول في حياكة مؤامرة لإسقاط أحد المسؤولين وهو في خلاف معه ، وهو يعلم أن هذا الموظف المميز بمثابة اليد اليمين التي تخدم المسؤول المُراد استبداله بآخر مطروح اسمه ، وحاول كسبه في صف الخطة الموضوعة بعد رسم تفاصيلها مع وعود بتقدمه مادام أنه راض عليه إلا أن الموظف رفض بشجاعة وبأدب مُتمسكا بمبادئه وقال له : ” آمن بكفاءتي وستجد ما يسرك ، وفي غير ذلك فأعتذر ، ولا حاجة لي لتقدم فيه أذى لغيري ، وسأخرج كأني لم أسمع شيئا فأنا موظف بسيط وأرجو كمسؤولين أن تحلوا خلافاتكم دون إدخالنا كموظفين بسطاء في مشاكلكم الشخصية حفاظا على أرزاقنا بأمانة الضمير  ” وهنا بدأت الحرب ، وفتحت عليه أبواب الحصار الوظيفي فأوقفوا فرص التطويرعنه وبدأت الفجوة المعرفية تُصنع عَمدا كي يتفوق من لا يستحق ويُدفن من يستحق ، وحينما بدأ يعمل بتكتيك تقليص الفجوة عبر التطوير والبحث والتعلم الذاتي عبر أنظمة العمل تبين لهم أن الفجوة ليست كما تمنوْها بعدما تبين تميز إدراكه في جو العمل ، وبعد دخوله منافسة تفاجؤوا من تخطيها ، وعملوا كل السبل لحجبها عنه ونجحوا في ذلك بجبروت السلطة وخفاياها ، وبعدها اتخذوا خطوة قطع الصلاحيات عنه في الأنظمة لمنعه من التطور الذاتي ، وحتى لا يتمكن من إدخال منجزات عمله وإثباتها في الأنظمة.

ومن شدة الغيرة والعِدَاء كادوا ينقلونه لموقع آخر لا لشيء سوى ليفسحوا الطريق لمُدلل مذكور في السطور السابقة ، ولا يزال يلبس طموح غيره كأنه معطفه ،  إلا أنهم لم ينجحوا لأن المسؤول الذي نجا من مؤامرتهم رفض ذلك وأبقاه في مستقر عمله ومنحه المكانة التي يستحقها ، ولكن بعد تقاعده تسلل مُدللهُم إلى مقعده لا بالقرار المهني الصائب بل بالمكيدة وحقق أمنيته  ، وكان أول أمر له ” أسقطوا النبيل فإنه يُشوهنا بكفاءته ” وبدأ التنقيط لاعلى الأداء بل على درجة الإنسجام مع الخط  .

 

المُؤلم أن هذه الحكاية ليست من خيال كاتب بل من واقع نعيشه في بعض مؤسساتنا ، حين تُكافأ الرداءة بالمنصب ، ويُعاقب التميز بالعزلة ، وعندما يُستخدم التقييم كسلاح ، والتكليف كأداة إقصاء ، والإدارة منصة لتصفية الحسابات .

نعم قد يخسر صاحب المبادئ فرصة لكنه لا يخسر نفسه ، أما من اعتاد المشي على جثث الكفاءات  فلن يبلغ قمة ولو ملك المناصب كلها ، فالمناصب لا ترفع من لا يستحق ، وإن رفعتهم مؤقتا فإنها تفضحهم في أول اختبار .

ليس الهدف من هذا المقال تسطير مأساة فرد بل تسليط الضوء على ظاهرة خطيرة : “التحرش الإداري  بالكفاءات ” عندما يُحول بعض المسؤولين مواقعهم إلى ساحات تصفية لا مختبرات تطوير فيكون الخاسر الأكبر هو النظام المؤسسي ذاته ، والوطن كله.

وعبر منصة سفير برس الإعلامية نُؤكد أن الكفاءة لا تُقهر بل تتعب حين تمر بهذا الجهل المحيط بها ، والمواساة لكل مُتميز ” لا تحزن فهناك مكان ما في زمان قادِم سَتُزْرَع فيه كفاءتُك فلا تُقتَلع ، ويُروَى  فيها علمك فلا يُجفف ، وتُستقبل فيه لا بــمن أنت ؟ بل بــأهلا بمن يستحق ” ، والتوصية  أن هناك حاجة ماسة إلى تشريعات تُجرم هذا السلوك ، وآليات لحماية الموظف الكُفء من تسلط المسؤول الغيور المُعادي للأنفاس المضيئة لحماية عرش الغرور والتلصق الذي يَقتاتُ عليه ، وكذلك هناك أهمية مُلِحة لنشر الوعي المُعزز لتمكين العقول لا تحطيمها ، وإلى استقطاب قادة لا يخافون من المتفوقين بل يصعدون بهم ، لأن الكفاءة إن لم تُكْرَم هَجَرَت المكان ، وتَركتْه للفراغ.

#سفيربرس _ بقلم : سعيد عمران المعمري 

 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *