أريجٌ لغة الحب: دمشق وتونس في مرايا الحبّ وأدب الأثير

#سفيربرس _تونس _نورس برو

إعلان

ليس الحبُّ في وجدان الشعوب عاطفةً مجردة تهيمُ في الفضاء، بل هو كائنٌ ثقافيٌّ حيٌّ، يتنفسُ هواءَ الأرض التي ينبتُ فيها، ويستعيرُ ملامحه من أزقتها العتيقة ورائحة بيوتها. وحين نفتحُ كتاب العشق بين المشرق التليد والمغرب المجيد، تطلّ علينا دمشق وتونس كأنهما شقيقتان صيغتا من طين الفصاحة والعراقة ذاتها؛ إحداهما تتكئ على قاسيون وتستحم بماء بردى، والأخرى تغسل قدميها في مياه المتوسط وتتوسد هضبة قرطاج.

إن الحديث عن لغة الحب بين المشرق وتونس ليس بحثاً في التقارب الدبلوماسي أو التاريخي، بل هو حفرٌ في “جغرافيا القلب”؛ حيث يتحول الياسمين الدمشقي والمشموم التونسي إلى شفرات غزلية وتعاويذ تدفع عن الحب جفاء الأيام.

حفر في اللسان.. فلسفة القاموس العاطفي اليومي
يتجلى التباينُ الثقافي الجميل في المفردات التي تتردد على الألسنة داخل البيوت؛ فالقاموس العاطفي اليومي في المشرق ينزع نحو “سحر الدلال والاستعداد اللامشروط للفداء”، بينما يتجذر القاموس التونسي في “المجاز العميق، وحرمة العشرة، وارتباط الروح بالأرض”.
في الشام، يذهب المشرقيُّ فوراً نحو أقصى درجات التضحية بلغة تفوح رقة وغنجاً. كلمة “تئبرني” أو “تئبر قلبي “ليست مجرد دعاءٍ بالوفاة، بل هي فلسفة كاملة تفيد بأن الحياة بعد المحبوب لا تطاق، وأن الموت قبله هو الفردوس الممكن. وما كلمة “تشكل آسي” إلا رجاءٌ صوفيٌّ بأن يكون العاشق هو الراحل، لتغرس الحبيبة بيديها غصن الآس الأخضر على قبره. ويتبع ذلك حبلٌ لا ينقطع من الغنج اليومي: “يا عيوني”، “يا روح الروح”، و”تسلملي هالديات”، وهي كلمات تلطف جفاف الحياة اليومية وتغمر البيت بمسك التودد.
أما في تونس، فإن العاطفة تختزن كبرياءً مجازياً مذهلاً. عبارة “يعيشك ليّا” أو “ربّي يفضلك” قد تبدوان للغريب مجرد تحية عابرة، لكنهما في العمق التونسي أصل البقاء؛ فـ “الفضل” هو البركة والسند الذي لولاه ينقص العيش. وفي تعبير “يا كبدتي”، يستدعي التونسي الطب القديم الذي يجعل من الكبد مركز العاطفة والدم والنفس، فيسوي بين الحبيب والولد في منزلة الروح. وحين تنادي المرأة التونسية زوجها بـ “يا عزيز عليّ” أو “يا قدر حظي”، فهي لا تبثه حبها فحسب، بل ترفعه إلى مقام العِزة والشرف والقدر؛ فالحب في تونس ليس مجرد انسياب عاطفي، بل هو موقفٌ وكبرياء ومكانة.

مائدة الشعر.. مقارنة بين المشرق والمغرب
لا يمكن للحب أن يكتمل نصابه دون أن تستوقفه القصيدة؛ فالشعر هو وثيقة الحب الأولى التي سجلت تحولات القلب عبر التاريخ. وفي المقارنة بين الشعر الغزلي المشرقي والتونسي، نجد أنفسنا أمام مدرستين تنهلان من نبعين مختلفين من الجمال.
الشعر الشامي: نزار قباني ورقة القدود
في الشام، جعل نزار قباني الحب لغة يومية متاحة للجميع، مستحضراً الشام بكل تفاصيلها الفواحة في عشقه. يقول نزار في إحدى روائعه الشامية:
حُبِّي لَكِ لَيْسَ قَصِيدَةً أَكْتُبُهَا
بَلْ هُوَ جَدْوَلُ مَاءٍ يَجْرِي فِي حَارَاتِ الشَّامِ القَدِيمَةِ
أَنَا القَادِمُ مِنْ وَجَعِ اليَاسَمِينِ
أُحِبُّكِ حِينَ أَرَاكِ، وَحِينَ لا أَرَاكِ
وَحِينَ يَتَسَلَّلُ أَرِيجُكِ بَيْنِ أَصَابِعِي كَمَا يَتَسَلَّلُ النُّورُ
وفي القدود الحلبية والتراث الشامي الأصيل، يتصاعد الغزل بتلقائية ونغم بليغ يغازل المحبوب وقوامه:
يَا مَالِ الشَّامِ يَاللِي قَوَامَكِ خَيْزُرَانْ
فِدَى عُيُونِكِ رُوحُنَا وَكُلِّ اللِّي كَانْ
صَيْدُ العَصَارَى يَا سَمَكُ يَا بُنِّي
وَالجَمِيلُ نَادَانِي وَلَعَّبْنِي

الشعر التونسي: من نغم المالوف إلى حنين الموقف الشعبي
أما في تونس، فالشعر الغزلي يتأرجح بسحر خاص بين الفصحى الرصينة والوزن البدوي الشجي لدى شعراء كبار مثل مصطفى خريف والشعراء الشعبيين. الشاعر التونسي يركز على اللوعة، والنجمة، والبحر، والوفاء الشديد. تأمل هذه الأبيات الشعبية التونسية العميقة في التغزل بـ “الزين”:
رِيتْ النَّجْمَة وَضَيَّهَا فِي اللَّيْلِ
وَقَمَر زَاهِي بَيْنَ المَزْن يِسِيرْ
كِيفِكْ يَا خَلِّي مَا صَابْنِي فِي اللَّيْلِ
نِسْهَرْ مَعَاكْ وَنِنْسَى كُلّ عَسِيرْ
وفي الموشحات ونصوص المالوف العتيقة التي يرددها التوانسة بحب وشجن:
زَادَنِي عِشْقُكَ غَرَاماً
وَحَرَّمَتْ عَيْنَيَّ المَنَامَا
يَا جَلِيبَةَ السَّحَابَةِ
رِفِّي بِالنَّبِيِّ وَالمَحَبَّةِ
رَانِي عَلِيلْ وَمَكْوِي..
وَبِحُبِّكِ قَلْبِي اكْتَوَى

تفاصيل الموقف اليومي.. السلوك حين يحب القلب
حين نغادر المطبوعات والأشعار لنلتقط صوراً حية من داخل البيوت في الشام وتونس، يظهر الفرق بين أسلوب التعبير المشرقي والمغربي في أكثر المواقف حرجاً:
أدبيات الصلح بعد الخصام:
في الشام: يمر الصلح عبر “المعدة والكلمة الطيبة”؛ فالرجل الشامي إذا أراد مراضاة زوجته، دخل بيته محنواً بوردة أو علبة “حلويات شامية”، ويبتدرها بلطف دمشقي: “ما عاش اللي بيزعل هالوش” إنه أسلوب يمتص الغضب بالتودد والاعتذار المباشر.
في تونس: يمر الصلح عبر “إعادة تثبيت القدر”؛ فالرجل التونسي لا يتملق بالكلمات الكثيرة، بل بحسم “الموقف”. يحضر احتياجات البيت بهدوء، ثم يجلس ليقول جملة واحدة تعيد الأمور لنصابها لأنها تمس الكبرياء والود: “شنوة يا بنت الناس.. هذا قدرنا بيناتنا؟ ما يستاهلش الموضوع كل هذا”.
فلسفة الغيرة:
الغيرة الشامية: غيرة “حماية وشهامة” صريحة وظاهرة؛ فيها الخوف والأمر الدافئ: “ما تطلعي بدون ما أعرف”، أو “مين كان عم يحكي معك؟”.
الغيرة التونسية: غيرة “صامتة وعميقة”؛ لا تعبر عن نفسها بالصراخ بل بـ “الخزرة” (نظرة العين التونسية النافذة)، وبتحول المعاملة إلى هدوء صارم يجعل الطرف الآخر يفهم فوراً أنه تجاوز خطاً أحمر في الحرمة والكرامة.

لسان واحد لقلب متصل
في نهاية المطاف، يتضح أن اللغات وإن تعددت بين “تقبرني” و”يعيشك ليّا”، فإن النبض واحد.
المشرقي يحب بياسمينه ودلاله، والتونسي يحب بفله وعشرته ووفائه. الحب في ثقافتنا العربية ليس كلاماً تنطق به الألسن، بل هو السند والأمان والقدر الذي تبنيه المواقف اليومية، ليظل النص المكتوب بين تونس ودمشق شاهداً على أن القلوب حين تحب، تتكلم لغة واحدة لا تعرف الحدود.

#سفيربرس _تونس _نورس برو

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى