كتب زياد ميمان :حكاية خبز على التنور… برائحة الأم ودفء الذكريات
#سفيربرس

في سكون الليل وقبل فجر النهار، كانت روح المنزل تترنح بين أنفاس الأم وهدوء البيت، تحمل بين يديها قلبها المفعم بالحب، وهي تعجن العجين ببطء وتأنّ، كأنها تكتب قصتها الخاصة في كل قطعة من الخبز. عطر الطحين المختلط بالماء والملح يملأ الجو، وتكتمل ملامح الحكاية عندما ترفع الأم يديها اللمّاعة، وتبدأ في تشكيل العجينة بخبرة الأجيال، وكأنها تنسج قطعة من الزمن الجميل. في معجن النحاس القابع في زاوية الخزانة هناك تختمر العجينة وهي تستمتع إلى أغنيات الأم وصوتها الهادئ الذي ينساب بين جدران المكان، وهي تردد أذكار أو كلمات محبتها، وتُشعر الأبناء بالطمأنينة، إذ أن يدها ليست مجرد يد خَبَازة، بل هي عنوان الرعاية والأمل. كل حركة تتلوها أخرى، وكل قرصة من العجين تحمل أمانة من أميّة الزمن، وتحكي قصة انتقال الأمل من جيل إلى آخر.
وبينما ترتاح العجينة، تضع الأم قطعة منها على لوح خشبي وتمرر أناملها عليها بشكل دائري حتى تأخذ بداية شكل رغيف كوجه القمر، ثم ترمي بها على ساعديها يمنة ويسرى حتى ترق العجينة وتصبح جاهزة ليستقبلها التنور ذلك العالم المستتر بين يديها، حيث النار تتصاعد كالروح المشتعلة، كأنها تردد معها معزوفة من التراث، وأمل لا ينتهي.
والتنور ذلك المكان الذي يصنع من طين خاص يدق بسواعد الشباب حتى يصبح لزجاً ممزوجاً بشعر ليتشابك مع بعضه ويأخذ الشكل الأمثل.
ولقد شهدت صناعة تنور دارنا حيث اجتمع شباب الحارة وكل واحد بيده عصا طويلة ويضربون الطين الذي يختلط ببعضه ويصبح مرناً ثم يلف على التنور لفاً، ويترك حتى يجف يوماً أو يومان ثم تكملون العمل في اليوم التالي وهكذا حتى يكتمل ويصبح جاهزا ويوقد فيه النار لكي يكسب الحرارة وتتعشق في ذراته وتفاصيله، وكلما كانت صناعته متقنة كلما كان أفضل، فالتنور وقتها يصمد أكثر ويبقى محافظاً على جدرانه من التساقط، وهو بدوره يجمع أهل الحارة على الخير فيكون مجمع الخير، مجمع الأمهات والصبايا اللواتي يحضرن ليتعلمن صناعة الخبز من أمهات الأمل اللواتي يجتمعن لينصعن الخير لعائلاتهن ويضفين على هذه الطقوس جمالاً وأناقة وسحراً وعبقاً من الماضي، بأغان لا يعرفها سوى من صنعت يداه خبز الأجيال في أروقة الزمن الماضي
وعلى وسادة القماش (الكارة) يرتاح رغيف العجين قبل أن يلتصق بالجدار اللاهب الذي يغير وجه الخبز، حيث تُدخل الأم الخبز بحكمة، برفق يليق بكنزها الواحد، وتُراقب النار وهي تزداد اشتعالًا، وتُشبع المكان برائحة تعطي الحياة للموت، وتختزل في لحظة واحدة مرارة الزمن وقسوته، وتحولها إلى لحظة من النقاء والدفء.
وفي انتظار أن يكتمل نضجه، تتوقف الأم وتبتسم، إذ ترى لون الخبز يتغير إلى الذهبي، ونكهته تعبق في الأرجاء كأنه وصية من جداتها، تتراقص على نغمات التاريخ والأمل. تمسّك يدها الخبز بحنان، وجهها كالقمر بلون وردي جميل فلهيب الجمر وحرارة المكان تعكس على وجه الأم شوقاً وألقاً وهي التي وتهوي برغيف الخبز إلى مائدة الفرح، وسط ألحان الذكريات، حيث يجتمع الكل حوله، يأخذون لقمة تروّي ظمأ أرواحهم، وتُعيد لهم ذكريات الطفولة، وأملاً جديدًا يُزرع في قلوبهم.
وفي هذا المشهد، تظل الأم حكيمة، تشعّ حبًا وحنانًا، وهي تعجن عشق الحياة، وتضع خبزها في التنور، رمزا للثبات والأمل، يشهد على عراقةِ أُسرتنا وتراثِنا، ويُذكرنا أن في كل رغيف من خبز التنور، يكمن سرُّ الحياة، وأن أيدِي الأم هي نبع الحنان الذي لا ينضب، ومرآة الأمل الذي يبقى حيًا رغم تقلبات الزمن.
#سفيربرس _ بقلم : زياد ميمان



