خوارزميات الفوضى: هل تصنع السياسة أم تفتت المجتمعات؟. بقلم : حسين الإبراهيم
#سفيربرس
• كيف تحولت السياسة من مناظرات عقلانية إلى معارك عاطفية مشفرة؟
• من هم “مهندسو الفوضى” الذين يعيدون تشكيل السلطة؟
• هل يمكن للديمقراطية أن تصمد أمام خوارزميات تُبرمج الغضب؟
• أين يكمن الخطر الحقيقي: في التقنية أم في من يستخدمها؟

عندما تهيمن وسائل التواصل الاجتماعي، على فضاء التلقي، لن نستطيع القول أن السياسة مجرد تبادل أفكار، بل أصبحت ساحة مشاعر مصممة رقمياً.
تتحكم خوارزميات الذكاء الاصطناعي، التي يبرمجها من يُعرفون بـ”مهندسي الفوضى”، في المزاج العام وتعيد تشكيل السلطة السياسية. هذه التحولات تثير إشكاليات معرفية حول مستقبل الديمقراطية، وحرية الرأي، ومكانة المواطن في عالم رقمي متسارع.
عندما تهيمن وسائل التواصل الاجتماعي، تأخذ السياسة وجهاً جديداً لا يشبه ذلك الذي عرفناه من قبل. لم تعد مجرد احتكاك أفكار أو نزاعات فكرة مقابل أخرى، بل تحولت إلى ساحات معارك ذهنية وعاطفية مشفرة بخوارزميات يصممها «مهندسو الفوضى». هؤلاء الذين باتوا يتحكمون في المشاعر الجماعية، ويعيدون تشكيل السلطة السياسية من خلال أدوات رقمية عالية التقنية، مما يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل الديمقراطيات وحرية الرأي.
مهندسو الفوضى: التعريف والدور
يعرّف الكاتب الإيطالي جيوليانو دا إمبولي «مهندسي الفوضى» في كتابه الذي يحمل نفس الاسم، بأنهم خبراء في تحليل البيانات واستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي، يعملون على استثمار الإحباطات الشعبية وتحويلها إلى زخات من الغضب أو التفاؤل المزيف، يُستخدمان كوقود لحركات شعبوية تتركز حول الاستثارة أكثر من الإقناع.
كما يوضح دا إمبولي أن هذه الممارسات ليست من قبيل الصدفة أو الاضطراب السياسي، بل هدفها صريح: إضعاف ثقافة الحوار وإثارة الانقسامات الاجتماعية، وهو ما يشهد عليه الصعود المفاجئ لحركات وأحزاب مثل «حركة النجوم الخمس» في إيطاليا بقيادة جيانبارتو كازاليجيو، وكذلك الدور الحاسم الذي لعبه المستشار السياسي الأمريكي ستيف بانون خلال انتخاب دونالد ترامب عام 2016.
أنماط جديدة من السلطة الرقمية
في كتابه «زمن الحيوانات المفترسة»، يصف دا إمبولي القادة السياسيين الجدد ككائنات تشبه الحيوانات المفترسة؛ لا تسعى للإقناع بالمنطق، بل للإبهار بالمشاهد الدرامية والكذب الصريح والخطاب المؤجج. يتم توظيف منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي – عبر مهندسي الفوضى وشركات التقنية الكبرى – في استخدام تقنيات ذات دقة عالية لتوجيه المشاعر الجماعية وكبح أي محاولات للاجماع أو التفاهم.
على المستوى العالمي، يمكن ملاحظة تأثير هذه الظاهرة في عدة نماذج، من بولندا والمجر حيث صعدت حكومات تشدد السيطرة على الإعلام وتستغل الشعور بالخوف لإحكام قبضتها، إلى مصر والدول العربية التي شهدت تجارب مختلفة في صنع الرأي العام عبر شبكات التواصل، ومنها ما عرف بأدوات «التسويق السياسي الإلكتروني» التي تستهدف الشباب والدعاية السياسية.
جدول يقارن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي في السياسة

توسيع دائرة الشعبوية
في منطقتنا العربية، لا يختلف المشهد كثيرًا. فمع الزيادة الكبيرة في استخدام الهواتف الذكية وشبكات الإنترنت، أصبح المواطن عرضة لتقنيات متطورة من التضليل وتنظيم الرأي عبر ما يُشبه «مصانع المحتوى» التي تستغل الانقسامات الطائفية والسياسية المزمنة.
مثلاً، خلال الأحداث الأخيرة في بعض الدول العربية، لوحظ استخدام مكثف للحملات الرقمية المدعومة بخوارزميات، لتوجيه الانتباه نحو موضوعات محددة وإلهاء الجمهور عن قضايا أعمق، إضافة إلى تفاقم ظاهرة الأخبار المزيفة والتلاعب بالمشاعر، ما أدى إلى أزمات ثقة بين الحكومات والشعوب.
جدول يلخص بعض الإحصاءات والبيانات الحديثة التي توضح حجم وتأثير ظاهرة خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي والأخبار المزيفة على السياسة والثقة المجتمعية

هذه الإحصاءات تعكس كيف تساهم خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي في تفاقم الاستقطاب السياسي، وانتشار الأخبار المزيفة، والتأثير العاطفي المكثف على الجمهور، مما يؤثر بشكل مباشر على النسيج السياسي والاجتماعي للمجتمعات الحديثة.
مواجهة التحوّلات
يدعو جيوليانو دا إمبولي إلى عدم الانجراف وراء هذا التيار العاطفي المشفر، والحفاظ على ما أسماه «التفكير السياسي العملي» والوعي النقدي ميدانياً. فالكفاح ضد «مهندسي الفوضى» لا يمر فقط عبر وسائل الرقابة أو القوانين، بل يتطلب من كل فرد تمكين نفسه من أدوات الثقافة الرقمية، وفهم آليات هذا النوع الجديد من السلطة.
تحصين المجتمعات عبر التعليم المستمر، وتشجيع النقاشات المفتوحة والشروط القائمة على الشفافية، يظل السبيل الأهم لمواجهة ظاهرة «السياسة العاطفية المشفرة» التي باتت تهدد ليس فقط الديمقراطية، بل النسيج الاجتماعي ذاته.
حكاية في زمن الفوضى الرقمية
لم أكن أعلم، حين بدأت رحلتي في عالم البرمجيات، أنني سأقف يومًا على حافة سؤال وجودي: هل ما أبرمجه يحرر الإنسان أم يقيّده؟ في البداية، كنت مجرد شاب مفتون بالخوارزميات، أراها كمعادلات أنيقة تحل مشاكل معقدة. عملت في شركات ناشئة، أحلل النظام وأكتب الشيفرات.
لكن شيئًا ما تغيّر.
في أحد المشاريع، طُلب مني تعديل خوارزمية توصيات المحتوى لتزيد من “الارتباط العاطفي” لدى المستخدمين. بدا الأمر بريئًا، حتى بدأت ألاحظ كيف تُعاد صياغة المزاج العام عبر هذه التعديلات. كيف تتحول المنصات إلى غرف صدى، تُضخّم الغضب، وتُضعف التفكير النقدي.
المخرجات المعرفية
لم يعد تمكين الأفراد من أدوات الثقافة الرقمية خيارا بل ضرورة وجودية في عالم تتشكل فيه القناعات عبر تدفقات خوارزمية لا تعترف بالحياد فالمواطن الرقمي مطالب اليوم بأن يمتلك وعيا تقنيا يوازي وعيه السياسي والاجتماعي كي لا يتحول إلى مجرد رقم في معادلات التأثير التي يصوغها مهندسو الفوضى
التفكير النقدي هو الحصن الأخير أمام موجات التضليل العاطفي التي تستهدف اللاوعي الجمعي عبر سرديات مصممة لإثارة الانفعال وتحييد العقل فالمواجهة تبدأ من القدرة على طرح الأسئلة لا من الانسياق وراء الإجابات الجاهزة ومن الشك المنهجي لا من اليقين المصطنع الذي تروجه المنصات
يشكل التعليم المستمر والنقاشات الشفافة بيئة مقاومة للهيمنة الرقمية فالمعرفة لا تتجمد في لحظة بل تتطور عبر الحوار والتجريب والانفتاح على الآخر والمجتمعات التي تحتفي بالأسئلة أكثر من الأجوبة هي الأقدر على تفكيك خطاب السيطرة وإعادة تشكيل المجال العام على أسس تشاركية
الخطوة الأولى تكمن في فهم آليات السلطة الرقمية نحو المواجهة فهذه السلطة لا تتجلى في القوانين فقط بل في تصميم المنصات وفي خوارزميات التوصية وفي اقتصاد الانتباه الذي يعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية والسياسية من يعي هذه الآليات يستطيع أن يعيد التفاوض على موقعه كمواطن لا كمستخدم وأن يستعيد حقه في التأثير لا في الاستهلاك
خاتمة
بين عواطف مُصممة وبرمجيات متقدمة، يجد المواطن نفسه أحيانًا لاعبًا في لعبة لا يملك قواعدها، تتقاذفه موجات من الأخبار المزيفة والتجاذبات الشعبوية. لكن في نهاية المطاف، يبقى الوعي والحذر حجر الأساس لبناء مستقبل سياسي أكثر استقرارًا ورقيًا. فلا يمكن لأية خوارزمية أن تحل محل العقل النقدي، ولا لمهندس فوضى أن يبني سلطة بلا شعب واعٍ.
✅ الإجابات
• السياسة العاطفية المشفرة ليست اضطرابًا عابرًا، بل استراتيجية منظمة
• “مهندسو الفوضى” يسعون لتفتيت الحوار لا لإثرائه
• الديمقراطية مهددة ما لم يتحصن المواطن بالوعي الرقمي
• التقنية ليست العدو، بل من يستخدمها لتوجيه المشاعر الجماعية هو العدو.
والآن…
هل يمكن للمواطن أن يستعيد سلطته في عالم تُبرمج فيه العواطف؟ وهل سنكتفي بلعب دور المتلقي في لعبة لا نملك قواعدها؟
لمسة ختامية
الكتابة ليست فقط نقلًا للحدث، بل إعادة تشكيل له ليصبح فكرة قابلة للنقاش. وبين خوارزميات بلا قلب ومواطنين بلا دروع معرفية، يبقى العقل النقدي هو السلاح الأهم.
تعريفات مبسطة:
• مهندسو الفوضى: هم خبراء يستخدمون تقنيات متقدمة مثل تحليل البيانات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي لاستغلال مشاعر الناس مثل الغضب أو التفاؤل بطريقة مدروسة، بهدف إثارة الانقسامات الاجتماعية والسياسية وزيادة الاستقطاب بدلاً من تعزيز الحوار والتفاهم.
• خوارزميات التوصية: هي برامج ذكية تستخدمها منصات الإنترنت (مثل وسائل التواصل الاجتماعي أو مواقع الفيديو) لتحليل اهتمامات المستخدمين وسلوكهم، ثم تعرض لهم محتوى مخصصًا يعتقد أنه سيجذب اهتمامهم أكثر، مما يزيد من وقت بقائهم على المنصة ويركز تفاعلهم على محتوى معين.
• اقتصاد الانتباه: هو مفهوم يشير إلى أن الانتباه البشري أصبح سلعة قيمة في عالم رقمي مزدحم، حيث تتنافس الشركات والمنصات لجذب انتباه المستخدمين من خلال استراتيجيات وأساليب تسويقية مختلفة، لأن جذب الانتباه يعني مزيدًا من الاستخدام والإيرادات.
#سفيربرس _ بقلم : حسين الإبراهيم



