عبور الفنون والآداب: فرصة لإغناء المجتمع الإنساني
#سفيربرس _ هولندا : سلوى زاهر

يأتي معرض “عبور الآفاق” في أمستردام في لحظة شديدة الأهمية لهولندا، البلد الذي أصبح وطناً جديداً لعشرات الآلاف من القادمين من سوريا واليمن والمغرب وفلسطين والعراق. فالهجرة وعبور الحدود لا تعني مجرد انتقال جسدي من مكان إلى آخر، بل تتحول إلى انتقال روحي ومعنوي: لتصبح معاني الانتماء والمواطنة والبحث عن مساحة آمنة للإبداع والحياة عنوانًا لتجربة بعض المبدعين العرب الذين اضطروا لترك أوطانهم.
وليس من قبيل المصادفة أن يُقام هذا المشروع في قلب العاصمة أمستردام، في منطقة ويستربارك النابضة بالتعددية الثقافية. فالمكان ذاته يعكس الفكرة: أن النقاش حول الاندماج لا يحدث في الهوامش أو خلف الأبواب المغلقة، بل في المركز، حيث تتقاطع المسارات وتتشابك التجارب.
إحدى أبرز التجارب في هذا المعرض هي “غرفة الألغاز للاندماج”، العمل الفني التفاعلي الذي ابتكرته صاحبة المبادرة وفاء العطاس. هنا لا يكتفي الزائر بالتأمل في اللوحات البصرية المستمدة من القصص الأدبية التي كتبتها المشاركات، بل يُدعى إلى معايشة رحلة الاندماج كما يعيشها القادم الجديد إلى هولندا: تحديات اللغة، الأسئلة البيروقراطية، نظرات المجتمع، وفي الوقت نفسه فرص الاكتشاف وإعادة بناء الذات. عبر الألغاز والتجارب الحسية، يتحول الاندماج من فكرة مجردة إلى تجربة ملموسة يعيشها الزائر بكل حواسه، بكل ما فيها من قلق وفضول وأمل.
جمعت وفاء العطاس في هذا المشروع أصواتاً إبداعية متعددة من المنطقة العربية، منهن:
• مي جليلي (كاتبة فلسطينية)
• ليلى المرابط (شاعرة وكاتبة قصص قصيرة مغربية)
• هدى العطاس (كاتبة وصحفية وناشطة حقوقية يمنية)
• فينوس فائق (شاعرة وكاتبة ومترجمة عراقية كردية)
• سلوى زاهر (صحفية وكاتبة سورية)
• نسمة الشطفة (مصممة فضاء ومبدعة بصرية)
هؤلاء الكاتبات والفنانات يأتين من خلفيات وتجارب متباينة، لكن يجمعهن سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل الاندماج من شعار سياسي إلى تجربة إنسانية حقيقية؟
الهولنديون اليوم أمام فرصة ثمينة: أن يروا في موجات الهجرة إضافة لا عبئًا. فالسوريون واليمنيون والفلسطينيون والعراقيون والمغاربة يحملون معهم خبرات أدبية وإبداعية عميقة. هناك شعراء وكُتّاب وصحفيون حملوا في كلماتهم ذاكرة الحرب والمنفى، لكنهم في الوقت نفسه قادرون على إعادة صياغة المستقبل المشترك.
تكمن أهمية معرض مثل “عبور الآفاق” في أنه لا يقدّم الفن كترف جمالي فحسب، بل كأداة معرفة ووسيلة للحوار. في هذه المساحة، لا يُنظر إلى اللاجئين والوافدين الجدد كأرقام في تقارير الهجرة أو كموضوع للسياسات الرسمية، بل كأفراد مبدعين، أصواتهم تفتح مسارات جديدة للفهم المتبادل.
فالاندماج الحقيقي ليس في تماهي القادمين مع المجتمع المضيف فقط، بل في اعتراف هذا المجتمع بأن لديه ما يتعلمه ويكتسبه من تجارب هؤلاء الكتّاب والفنانين. هكذا يصبح الاندماج عملية ثنائية الاتجاه تُغني الثقافة الهولندية وتعيد تشكيل مفهوم المواطنة على أساس المشاركة لا الاستيعاب القسري.
في النهاية، “عبور الآفاق” ليس مجرد معرض، بل حدث في قلب أمستردام يتيح للزوار أن يعايشوا تجربة الآخر، ويدعو الجميع لإعادة التفكير: كيف نصوغ مجتمعاً يرى في التنوع قوة، وفي الاختلاف رؤى جديدة لبناء أفق جديد.
#سفيربرس _ هولندا : سلوى زاهر





