إعلان
إعلان

السياسة والأخلاق.. بقلم :أ‌. د. عبد الله المجيدل                                        

#سفيربرس

إعلان

السياسة والأخلاق

أ‌. د. عبد الله المجيدل

جامعة دمشق

يشير المعنى المعجمي للسياسة إلى أنها تنحدر من مصدر ساس يسوس سياس، في حين تشير موسوعة العلوم السياسة إلى أن السياسة هي فن إدارة المجتمعات الإنسانية، أما في معجم العلوم الاجتماعية، فتشير السياسة إلى أفعال البشر التي تتصل بنشوب الصراع أو حسمه حول الصالح العام، والذي يتضمن استخدام القوة أو النضال في سبيلها، وفي المعاجم القانونية، تنصب دلالة مفهوم السياسة على أصول الشؤون العامة أو فن إدارتها.

وتهدف هذه المقالة إلى البحث في بنية العمل السياسي، الذي يسهم في إرساء قواعد الدور الأخلاقي والسياسي للمواطن العربي، في خضم الصرعات والتحولات العالمية والإقليمية والمحلية، من خلال التركيز على الأبعاد الإيجابية للسلوك القائم على احترام حقوق الآخرين ومصالحهم، وعلى التعاون والالتزام بمنظومة القيم الأخلاقية للمواطنة، على المستويين المحلي والعالمي، إذ إن البعد السياسي في بناء المواطنة يقوم على رعاية مصالح الناس وتمكينهم من تنمية مختلف جوانب شخصياتهم، بما تتيحه ظروفهم وطاقاتهم. وبذلك يكون البناء السياسي تمكين الفرد من البحث عن سعادته وتحقيقها، وممارسة حقوقه وخياراته في الحياة، دون قيود تفرضها إرادة غيره فرضاً حتمياً.

وإذ أردنا البحث في تاريخ نشوء المصطلح ودلالاته في مسيرة التراث الإنساني، يعد كتاب الجمهورية للفيلسوف الإغريقي أفلاطون (380 ق م) أقدم الأطروحات الفكرية عن السياسة في التراث الإنساني، وتقوم فكرة هذا الكتاب على تقسيم رعايا الجمهورية إلى ثلاث طبقات، الطبقة العليا: وتتمثل بالفلاسفة، والطبقة الوسطى: وتتكون من الجنود والموظفين، والطبقة الدنيا: وتتمثل بالحرفيين والعامة. فالفلاسفة هم الذين ينبغي أن يكونوا على سدة الحكم، وهم لا يملكون ولا ينتمون إلى العائلة تتنازل عن الثروة مقابل لذائد الجاه ومتعة الفكر، ويعيشون في شيوعية “كومونة” بدائية، أما العامة فيستطيعون التملك والانتماء للعائلة.

وفي الفلسفة العربية يعد كتاب الفارابي “السياسة المدنية” من أهم الكتب العربية التي تناولت العلوم السياسية بمنهج فلسفي، في زمن مبكر. في حين يجمع الباحثون في الدراسات الإسلامية، على غياب كلمة السياسة في الكتاب واسنة، سواء أكان في النص القرآني أم في السنة النبوية، أم في مختلف المذاهب الفقهية. إذ إن كلمة السياسة، أو أي مصطلح مشتق منها وصفا أو فعلا، لم ترد في القرآن الكريم. وذلك لا يعني في نظر الخبراء والفقهاء، أن القرآن الكريم أهمل المسألة السياسية، بل جاءت مفاهيمها في النص القرآني، بصيغ وأساليب شتى، بما يدل عليها وينبئ عنها بما يعني حكم الناس وأمرهم ونهيهم وقيادتهم في أمورهم، في آيات قرآنية عديدة.

أما السياسة عند ابن خلدون فهي تعني تحمل مسؤوليّة العامّة والأفراد على مقتضى النظر الشرعيّ في مصالحهم الأُخرويّة والدنيويّة الراجعة إليّها، إذ إنّ أحوال الدنيا وما فيها ترجع كلَّها عند الشَّارِع على اعتبارها مرتبطة بالمصالح الأُخرويّة، فهي في الحقيقة خِلافة يضعها صاحب الشرع في الأرض لحراسة الدين وسياسة الدنيا به. في حين يكسب مفهوم السياسة في نظر ماكيافيلي دلالة مختلفة، فهي عنده تعني مجال الصراع بين الأفراد والجماعات الذي يؤدي إلى اللجوء لجميع الوسائل المشروعة، وغير المشروعة، فالحاكم أو الأمير يجب أن يكون مُستعداً لتوظيف وتشغيل مختلف الأساليب والطرائق لحل هذا الصراع، وبذلك عليه أن يكون قوياً وماكراً، بحسب مقتضيات الظروف ومجريات الأحداث، ويمكنه أيضاً اللجوء إلى القوانين والأخلاق، إذا كان ضمان السلطة يتطلب ذلك، فالغاية تبرر الوسيلة في نظره، ويتضح هنا الفارق الاخلاقي في دلالات المفهوم، بين رؤية ابن خلدون الذي يربطها بخلافة الإنسان في الأرض لحراسة الدين وتدبر أمور الدنيا، من خلال مقتضى النظر الشرعي في مصالح الأفراد الأخروية والدنيوية، وهنا تعمل الضوابط الأخلاقية في الشريعة الإسلامية على رسم تخوم فضاءات سلوك الحاكم في حكمه، في حين نجد أن ماكيافيلي يبيح استخدام الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وهذا خرق فاضح لمبادئ الأخلاق التي ينبغي أن يكون الحاكم قدوة فيها، ويتمثلها الشعب في سلوكاته، فمبدأ الغاية تبرر الوسيلة لا يصلح البتة للسلوك

البشري حتى أن بعض الحيونات لا تسلك هذا السلوك فتعف عن صغار الفرائس أحياناً على الرغم من جوعها.

أما فيما يتعلق بظهور علم السياسة فلم تصبح السياسة علماً إلّا في نهاية القرن التاسع عشر، عندما باتت تهتم الجامعات الأكاديمية في مختلف أنحاء العالم بمفاهيمها ونظرياتها الفلسفية وتطبيقاتها، بعدما تأكدت أهميتها، واعتمدت بوصفها مادة تدريسية في الخطط الدراسية للجامعات الأوروبية والأمريكية، إذ كان ينظر إليها آنذاك على أنها فرع من العلوم الاجتماعية والإنسانية التي تهتم على وجه ما بالحياة السياسية. لكنها لا تهدف دائماً إلى تحقيق المصالح العامة، وقد تكون المصالح الخاصة هي ما يتحكم في سلوكيات وتصرفات الفاعلين السياسيين الذين يحركون الأدوات السياسية، والركوب على المصالح العامة لتحقيق المصالح الخاصة، لأن النخبة السياسية، تشكل باستمرار موقع القرار في مفاصل الدولة، كما في الأحزاب والمنظمات والمؤسسات المنتخبة، وغالباً ما تكون هذه النخبة في الدول المتخلفة، التي تشكل مرتعاً للفساد السياسي، وكل أنماط الفساد الأخرى.

وهنا لا بد من إعادة النظر في التمييز بين الفهم التقليدي للفروق بين الأخلاق والسياسة، والذي يرى أن مجال الاخلاق هو سلوك الفرد، في حين مجال السياسة ينصب على سلوك الجماعة، إذ إننا نرى أن السلوك الجمعي ليس خارج أطر التقييم الأخلاقي، وبالتالي إمكانية إطلاق الحكم الأخلاقي عليه قائمة، كما أن مجال السياسة لا يقتصر على سلوك الجماعة، بل ربما يختصر بسلوك فرد بعينه، ولا سيما في البلدان التي هي في طور النمو، بحكم مواقعهم في سدة الحكم واستئثارهم باتخاذ القرار، سيجعل الحديث عن أن مجال السياسة هو سلوك الجماعة لا يتسم بالواقعية.

فالأخلاق كما يرها عادل العوا، هي طراز من النظر إلى جهد الإنسان في الإعراب عن ذاته في العالم، إنها رغبة تتطلع إلى النظام والاتساق؛ بهدف فهم السلوك البشري، إنها ميدان النشاط الوجودي الذي يشكل عمل الإنسان في العالم، من خلال إثبات ذاته والكشف عن الجهد الذي تبذله الذات في التعبير عن كيانها، وتحقيقه في الواقع الراهن، وبذلك نجد العوا يتبنى رؤية جوسيدروف بأن الأخلاق طريقة معينة للنظر إلى وجوه التعبير عن الإنسان في العالم، في حين يرى “ي. دني” أن الأخلاق ليست مجموعة من الأوامر المفروضة، بل هي نتاج لتطور الوعي البشري، وتفاعل الفرد مع محيطه، وبأن السلوك الأخلاقي مرتبط بالحرية الفردية، والقدرة على اتخاذ القرار المسؤول الناتج عن الضمير الإنساني، لا خوفاً من عقاب، ولا طمعاً بثواب، وبأن الاخلاق لا يمكن أن تُفهم إلّا في سياق إنساني حر، يُمكن الفرد من مواكبة التحولات الفكرية والاجتماعية المعاصرة.

وبالعودة إلى العلاقة بين الأخلاق والسياسة، فالسياسة جزء من المنظومة الأخلاقية، إنها مجموعة وسائل قيادة الجماعات البشرية، وتدبير شؤونها لخيرها ومصلحتها؛ أمَّا الأخلاق، فهي مجموعة القيم والمثل التي تحكم السلوك البشري لخيرهم وصلاحهم.

وفق هذين التعريفين، نلاحظ أنَّ الأخلاق هي الفضاء الأوسع الذي يتضمن المعايير، أما السياسة فهي الجزء الإجرائي من هذا الفضاء. فلا يمكن أن نتصوّر سياسيّاً ملتزماً بالمُثل الأخلاقية، وفي الوقت نفسه ظالماً في سلوكه السياسي. ولا يمكن أن نتصوَّرَ سياسيّاً متمرداً على القيم الأخلاقية، ويسلك سلوكاً سياسياً مستقيماً.

لقد سادت مسألة الكذب السياسي على الشعب السوري وعلى العالم، لسنوات طويلة في بلدنا، إذ إن ساسة سورية في الحقبة البائدة، “مع التحفظ على التسمية” فهم جلادون ودخلاء على المسرح السياسي، اعتقدوا بأن الكذب في السياسية مباح أخلاقياً، فتفنن أساطين اللانظام بالكذب في كل شيء، حتى لم يعد المواطن يثق بأي شيء يصدر عن الدولة، التي ينبغي أن تكون عنواناً للصدق والعدالة والشفافية والحق، ولكنها مارست سياسة الخداع، والكذب، والنصب والاحتيال ردحاً من الزمن، إلى أن وصلت إلى إجرام الحاكم الذي يقتل شعبه بلا رحمة في سابقة في العنف والإجرام لم يشهد لها التاريخ البشري مثيلاً. ويوثق ذلك المجازر والمكابس وأحواض الإذابة، وحبال الجلادين والمقابر الجماعية وكل صنوف الإبادة وفضائع التوحش، وكانوا أبعد ما يكون عن الاخلاق وعن السياسة، وهذا زعزع قيم المواطنة بوصف الدولة تشكل عنواناً لقيمها قاطبة، ودفع بالانتماءات الفرعية للظهور إلى السطح، ما أسهم بتفكك المجتمع وتمزيق روابطه التي كانت سائدة لقرون طويلة. ما يجعل جرائمهم مركبة، أولاً لجهة ما آلت إليه البلاد من التشتت والضياع الفكري والاجتماعي والنهب الممنهج لثرواتها وللجرائم التي ارتكبت بحق المواطن والشجر والحجر، وكذلك جريمة الفرصة الضائعة من تطور البلاد لنصف قرن كان يمكن أن تصل فيها سورية إلى مصاف الدول المتقدمة؛ لما لديها من إمكانيات، كما هو الحال بماليزيا وسنغافورة غيرهما من البلدان التي هيأت لها الأقدار حكاما نهضوا بها. وليس أوباشاً عبثوا بكل مقدراتها وهربوا بكل صفاقة ووقاحة، ولكن هيهات أن ينجو القاتل والقصاص والعدل قادمان، فليبشروا ولو بعد حين.

وفي النتيجة لعل السياسة والعمل السياسي يشكلان جزءاً من الأخلاق والمنظومة القيمية للفرد والمجتمع؛ فالسياسي الذي يؤمن ويعمل لأجل بناء دولتِه وتطويرها، هو المتمسك الفعلي بقيمه الأخلاقية، وهو مستعدٌ للتخلي عن كرسيّ الحكم، إذا ما كان الخيار بين كرسي الحكم والمبادئ الأخلاقية.

#سفيربرس _بقلم : أ‌. د. عبد الله المجيدل

أستاذ في جامعة دمشق 

 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *