كتب : سعيد عمران المعمري : نداء عالمي لتمكين هيئات حماية المستهلك
#سفيربرس _ مسقط
الخدمات الأساسية ( الكهرباء – المياه –الوقود – الإسكان – الصحة ) صارت ما بين حق المواطنة ومطامع التجارة ، وبين مطلب العيش وهاجس الفاتورة ، وأصبحت حوارات رأيها العام مليئة بالتذمر في فضاء المجالس والمساجد وأركان الأسر ، حتى وصل الحال إلى اتهام مُقدمي المؤسسات الخدمية وسياساتها بالغش التجاري ، وهذا الضجيج يبحث عن الرحمة والأمل لمراعاة قدرة الناس على الدفع لا أن تُثقل الديون على كاهلها في زمن تتعاظم فيه الضغوط المعيشية ،و لم يعد مقبولا أن تُدار القطاعات الخدمية الأساسية بعقلية تجارية صرفة ، وكأنها أسواق استهلاكية تبحث عن الأرباح وحدها ، فالمواطن الذي يَئِن تحت همومه اليومية لا يحتاج إلى ديون إضافية تُراكم عليه الأعباء أو تهديد بانقطاع خدمات تمس حياته فالكهرباء لم تُخترع والمياه لم تُخلق لتكون سلعة بل هي موارد للحياة قبل أن تكون أرقاما في دفاتر الحساب ، والملاحظ مثلا تحول دوائر خدمة العملاء في قطاعي ( الكهرباء والمياه ) بكل أسف إلى مكاتب فوترة وتحصيل وغاب عنها البعد الإنساني والإجتماعي ، والأسوء أن التنافس لم يعد في جودة الخدمة بل في حجم التحصيل المالي ، والرضا يُقاس بالأرباح لا برضا المواطن.
والرسالة الوطنية الموجهة لواقع الحال المُعاش مفادها أن من لا يحفظ للماء قدسيته ، وللنور رسالته ، وللخبز كرامته ، فلن يدرك معنى الوطن ولا معنى الإنسان ، ومن تفسيرها إننا بحاجة إلى مراجعة جادة لإعادة هذه الخدمات إلى جوهرها كحق عام لا ساحة استثمارية فالمواطن أوْلى بالاحتفاء من الأرقام ، والكرامة المعيشية أسمى من الجوائز والمكافآت التي يبحث عنها المسؤول وموظفيه ، فالخدمات الأساسية ليست كماليات بل ركائز يومية لا تقوم الحياة بدونها ، وليست رفاهية نتخيرها بل قدر يومي يلازمنا مع الفجر والغروب ، فبالماء نحيا ( نرتوي به ) وبالكهرباء نتقدم ( نُنِير ليلنا معه ) وبالطعام يُسْند جُوعنا ، وبالوقود نسير في طرقاتنا ، كما أنها ليست سلعا نُساوم عليها بل حقوقا تتصل بالحياة ذاتها.
وما نود الإشارة له لحكومات العالم أننا كمواطني الكرة الأرضية بِتْنَا شيئا فشيئا نرى هذه الخدمات تتحول إلى أبواب للفوترة والتحصيل حتى صار المواطن يحسب خطواته على ضوء الفاتورة قبل أن يحسبها على ضوء الشمس ، ولم يعد معيار التقدير جودة الخدمة بل حجم ما يُجمع من ديون ، وكأن المواطن خُلق ليكون زبونا في دفتر لا ينتهي مع إدخال منطق الربح والخسارة إلى هذه القطاعات حيث بدأت صورة المواطن تتحول من مُستفيد تُلبى حاجته إلى مَدين تُطالب ذمته. وهنا يكمن الخطر حين يفقد قطاع الخدمات معناه الاجتماعي ويتحول إلى مجرد معادلات مالية تُقاس فيها النجاحات بحجم التحصيل لا بجودة الخدمة ، والرسالة الأخلاقية ما أجمل أن يتنافس الناس في إتقان الخدمة لا في تضخيم الفاتورة ، وإن المطلوب اليوم ليس رفضا للتنظيم أو الإدارة الرشيدة بل وقفة مراجعة تضع الإنسان أولا ، وتُعيد التوازن بين استدامة المؤسسات وراحة المواطن فالمعادلة لا تكتمل إلا حين يكون رضا المواطن غاية لا وسيلة لتحقيق أرقام على الورق فليس من العدل أن يُثقل كاهل البسطاء بفاتورة ماء أو كهرباء ثم نزهو بأرباح على الورق فكرامة العيش الكريم لا تَحتمل المساومة ، وجودة الحياة لا تُقاس بالمكافآت السنوية التي ينتظرها أكبر الجنحان إلى أصغر الجنحان في هذه المؤسسات على حساب بسمة الحياة فالوطن ليس في فائض الحسابات بل في وجه طفل يبتسم حين يشعل مصباحه دون خوف ، وفي قلبيْ أب و أم يطمئنان أن الماء لن ينقطع عن بيتهما، لهذا فالنبض الوطني يتطلب منه أن يضع الإنسان في قلب المعادلة ولعل مراجعة صادقة تعيد التوازن ليبقى الإنسان هو الغاية ولتعود الخدمة إلى معناها الأصيل عونا للحياة لا عبئا عليها.
والواقع يتطلب تأمينا لا يُحبس على إثره الضياء في الغرف المظلمة لكونه شمعة وطنه ، والوطن لا يُضيئُه رصيد الأرباح بل ضياء يقول الحق ويبقى مُضِيئا ، ودعوة المواطن العالمي لأهمية النظر بالعبرة إلى النماذج الإيجابية التي تسعى لتقديم الخدمات الأساسية برحمة ولطف تجاه مواطنيها ، والتي تراعي البعد الاجتماعي والعدالة والحفاظ على كرامة الإنسان نحو تخفيف الأعباء دون تحويلها إلى تجارة أو ضغط دائم ، وتعد جنوب أفريقيا من بين الدول التي تخدم البند الرحيم في علاقتها مع سكانها فلديها سياسة المياه الأساسية المجانية ( free basic water ) بحيث تمنح الأسر كمية من المياه ( حوالي 6 متر مكعب في الشهرأي ما يعادل 1320 جالون ) مجانا، وهي بذلك حددت حد أدنى مجاني يضمن للناس حاجتهم الأساسية ، وهذا السلوك الوطني من شأنه أن يخفف الضغط على الشرائح الفقيرة ويُشعرهم بأن الدولة تهتم، فيما الدول الإسكندفانية مثل النرويج وفنلنداوالدنمارك أقرت ثقافة مؤسسية تُعلي مصلحة المواطن قبل الربح ، وفي نيوزيلاندا أقرت بعدم جعل الخدمات الأساسية سلعة يمكن أن تُسلب ( تُقطع ) في حال لم يتم الدفع، فيما تشاد أشاعت فكرة تطبيقية لتحديد سقف استهلاكي مجاني إلى جانب العفو أو التخفيف على من تتراكم عليه الديون وهذا ساهم في خلق راحة نفسية واقتصادية للمواطن ، والرسالة المستفادة من هذه التجارب ضمان أن يكون هناك دعم مستمر وليس مؤقت بحيث يشمل الفترات العادية وليس فقط أوقات الأزمات ليكون عنصر استقرار دائم للمواطن .
وخلاصة القول عبر منصتي الإعلامية ” سفير برس ” أن الخدمات الأساسية ليست سلعة للتجارة بل هي حق لكل إنسان لحياته الكريمة ، فتوفير الكهرباء والماء والوقود والغذاء للمواطن يجب أن يكون تحت إشراف جهة مستقلة تعمل بروح حماية المستهلك ، فالإدارة تحت معيار الربح وحده تُحول هذه الحقوق إلى عبء مالي وتفتح الباب للممارسات غير الشفافة التي تؤثر على جودة الحياة ، والمقترح الآمن أن تكون هيئات حماية المستهلك هي الراعية الرسمية للخدمات الأساسية كي يبقى المواطن مُضيئا ، وتُحفظ حقوقه ، ويزدهر الوطن بوجوه أهله ، لكون هذه الهيئة الوطنية ستكون القلب الآمن لضمان أسعار عادلة ومدروسة تُراعي القدرة المالية للمواطنين مع دعم مباشر للشرائح الضعيفة ، ودورها في إشهار الشفافية كاملة في الفواتير وحسابات الاستهلاك بحيث يعرف المواطن ما يدفع ولماذا ، مع عمق سياساتها لتأمين معايير جودة واضحة للخدمات ومكافحة أي ممارسات تجارية غير عادلة أو استغلالية داخل القطاع مع متابعة دائمة ومساءلة حقيقية .
والخاتمة السعيدة حينما تكون هيئة حماية المستهلك في قلب إدارة الخدمات وتكون بمثابة الجسر الآمن بين المواطن وحقه في حياة كريمة بقيمة العدالة الاقتصادية التي لا تُثقل عبء الخدمة على من لا يطيق ، وتدعم كل محتاج بلا استثناء ، وترفع جودة الخدمة بحيث لا يتنازل المواطن مقابل خدمة دون المستوى ،وتمنع الاستغلال وتُحاسب الممارسات غير العادلة ليبقى القطاع خادما للحياة لا للربح فقط ، وبالتالي يكون السجل الاجتماعي أو نظام تحديد المستفيدين له بيانات دقيقة لمعرفة من يستحق الدعم حتى لا يذهب الدعم لمن لا يحتاجه أو يُساء توجيهه مع شفافية ومحاسبة الحوكمة لوضوح لماذا يطلب الدفع ، وكيف تُحسب الفاتورة ، وكيف تُدار الموارد ، وما هو مصير المكافآت أو الأرباح إذا وجدت ، وكل هذه الإجراءات تعزز الحكمة القائلة ” كلما زادت الشفافية زادت الثقة “.
#سفيربرس _ مسقط _ بقلم : سعيد بن عمران المعمري ( إعلامي ومستشار أسري وتربوي وباحث أكاديمي في إدارة التسويق )



