كتب زياد ميمان : عام مضى على زيارتنا لسلطنة عمان وهناك كتبت البوح على جدران قلعة الميراني …وأزقة نزوى العتيقة..
#سفير برس - زياد ميمان

الطقس جميل اليوم في مسقط، إنه اليوم الثامن من شهر تشرين الثاني ٢٠٢٤ وفي هذه الوقت من السنة يكون جو مسقط لطيفاَ .
كنا قد وصلنا فجر اليوم إلى مطارها قادمين من دمشق، للمشاركة بفعاليات المؤتمر الخامس والثلاثين للاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، بدعوة من الدكتور نبهان الحراصي رئيس الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات وعميد كلية الآداب في جامعة السلطان قابوس.
وصلتنا الدعوة بعد أن قدمت ورقة علمية عن توثيق التراث السوري رقميأ انا وصديقي الاستاذ محمود الجدوع وتم قبولها من قبل لجنة تحكيم المؤتمر الذي كانت ستبدأ فعالياته يوم الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠٢٤، والذي سنناقش فيه الورقة العلمية.

فلقد وصلنا فجر الجمعة إلى مسقط، ومعنا وقت طويل لاستكشافها والتعرف عليها عن قرب.
فالدكتور نبهان وضع برنامجأ سياحياً لنا حتى لا نشعر بالملل، فلقد كان خير مضيف وخير أخ لنا في هذه الزيارة.
في صالة المطار يستقبلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل أهل عمان حيث (قال رسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ ) رواه مسلم.
كان في انتظارنا في المطار الدكتور نبهان والأخ اسماعيل الحارثي أيضا والأخ عمار الجدوع؛ لقد انتظرونا في المطار حتى وصولنا وهذا من كرم أخلاقهم وطيب نفسهم .
اصطحبونا إلى الفندق الذي سنقيم فيه أربعة أيام، ثم ننتقل إلى الفندق الذي سيعقد فيه المؤتمر فندق غراند ميلينيوم.
بعد أن استرحنا اتفقنا على أن نذهب إلى صلاة الجمعة، توجهنا إلى مسجد السلطان قابوس .. ازدحام كبير من المصلين الذين يتوافدون من كل مكان.
المسجد يتسع للجميع، وصحن المسجد تحفة معمارية فريدة فيما تميزت سجادته التي تعتبر أكبر سجادة بالعالم, نعم إنها قطعة واحدة تم حياكتها ضمن المسجد , فياله من إبداع أبدعه العبد في بيت خالقه.
انتهينا من الصلاة وكالعادة يجب أن نأخذ بعض الصور للذكرى .ثم انطلقنا بعدها في زيارة إلى سوق مطرح وساحة العلم وقلعة الميراني، والساحل الشرقي، و هناك تشعر بأنك في عالم آخر فأنت تقف على أول مكان تشرق عليه الشمس على البلاد العربية، حيث يستقبل برج قلعة الميراني خيوط الشمس الذي تنسج دفأها وتنثره في كل مكان في السلطنة.

في ساحة العلم الأطفال في كل مكان يرسمون علم للسلطنة على جباههم ووجناتهم، ويلبسون أجمل الثياب، إنها فرحة عندهم أن يحتفلوا بالعيد الوطني فهذه الساحة ستشهد بعد أيام أجمل احتفال بالعيد الوطني للسلطنة ويتم تجهيزها لذلك.
بالقرب من الساحة تشمخ قلعة الميراني، وهنا تشاهد عظمة العمانيين وعمق حضارتهم. وتقرأ تاريخاً حافلاً بالعمل والجد, نابعاً من حضارة عميقة عمق التاريخ.

تشاهد كيف تتكسر أمواج البحر على جدران هذه القلعة التي أحياها العمانيون من جديد، وأعادوا لها الحياة، لتكون جسراً ثقافياً يصل الماضي بالحاضر ومزارا سياحياً جاذباً لمختلف الجنسيات
يستقبلك العاملون هناك بابتسامة لطيفة، ويلقون عليك التحية برفق فتشعر بأنه مرحب بك بين أهلك.
تقف على أعلى البرج وتتأمل البحر أمامك، ويأخذك صوت الأمواج إلى زمن مضى تروى فيه الحكايات والعبر، فيما يشرح لنا الشاب العماني اللطيف عن أهمية هذه القلعة ودورها في الدفاع عن مسقط ضد هجمات الغزاة .
تربط بين حديث نفسك وحديثه فترى تقارباً كبيراً في أن الغزاة كان همهم أن يسيطروا على الأرض المطلة على البحر حتى يتحكموا بمن يعيشون في الداخل، ويتحكموا في مرور السفن والتجارة، لكن إرادة أهل الارض كانت تنتصر في كل مرة ويرحل المستعمر .
حديث طويل يدور بيننا مع الدكتور نبهان عن عظمة هذا المكان وأهميته التاريخية بالنسبة لعمان.
تغيب الشمس ونحن على برج القلعة وكأنها تودعنا وتقول: “المساء هنا جميل جدا ففيه سحر الطبيعة الخلابة الذي يمتزج بطيبة أهل عمان وكرمهم مع رائحة البخور واللبان .”
هذه الرائحة التي لا تفارق احساسك منذ أن تدخل المدينة، وفي كل أرجائها وكأنها سمة من سمات جمالها . فالكل يتطيب بها ويفوح عبق بخورها في كل مكان.
بدأ اليوم الثاني باكراً، فاليوم وجهتنا نزوى العاصمة الأولى للسلطنة، مدينة الإرث الثقافي العريق،. جل ما أعرفه عنها أنها كانت عاصمة الثقافة الاسلامية ٢٠١٥ وأقيمت فيها الكثير من الفعاليات.
وكالعادة كان الدكتور نبهان مضيفنا سباق بالترتيب لهذه الرحلة إلى نزوى التي تبعد عن مسقط ١٦٠ كم
انطلقنا في الصباح الباكر وعيوننا تتأمل كل مافي الطريق مع حديث تعريفي من مضيفنا عن كل منطقة نمر بها.
شدني الفضول لأسال عن أبنية كبيرة مكتوب عليها( مجلس ) وكان هذا البناء يتكرر كلما مررنا بقرية مكتوب عليه مجلس واسم القرية التي مررنها بها مثلا (مجلس سمايل)
فسألت هل هذه المجالس هي مجالس محلية أي البلديات؟ قال الدكتور:” لا هذه مجالس شعبية يجتمع بها أهل القرى في أفراحهم وأحزانهم وفي المناسبات، فهذه المجالس تبنى بهمة أهلها والدولة تقدم الأرض فتكون مثالا للتعاون المجتمعي والتكافل فالكل يساهم في البناء، الغني والفقير وكل حسب استطاعته “.
ما أجمل هذا العمل وهذا الترابط المجتمعي الذي قلما نجده في مجتمعات أخرى.
. الطريق إلى نزوى فيها الكثير من المشاهد فأشجار السدر التي لم نرها من قبل تأخذ الكثير من حديثنا عنها وعن فوائدها.
وكذلك مشاريع شق الجبال لفتح الطرق كانت مشاريع ناجحة, فالجغرافية في عمان جبلية وهذا يتطلب جهوداً كبيرة لفتح الطرق بين المدن والقرى ولاحظنا إصرار أهل عمان لشق الجبال كلها، بدل فتح الأنفاق مع ان العمل يتطلب جهداً وعملاً ومالاً أكثر .
وصلنا نزوى المدينة العريقة العتيقة العميقة عمق التاريخ . تشعر بعظمة المكان وأثر الانسان العماني عبر التاريخ دخلنا القلعة وتجولنا فيها وصعدنا إلى برجها .. المدينة تلتف حول القلعة من كافة الاتجاهات وكأنها تلك الام الرؤوم التي تجمع حولها أبناءها .
في القلعة الطينية ترى التراث في كل مكان التي رممها العمانيون من جديد وبدت بكامل روعتها وكأنها جبلت اليوم بعرق العمال وصبغت بلمسات أيديهم لتغدو بهذا اللون الجميل من وحي المكان والزمان وانت تتجول في القلعة تسمع صوت فرقة تراثية تقدم عروضا واغان عمانية تراثية قيل لنا ان هذه الاغان تسمى الرزحة ويشدك الغناء وتماسك رجال الفرقة بزيهم العماني الجميل وأدائهم الرائع وعزفهم الشيق على بعض الآلات الموسيقية،.
وفي غرف القلعة تفرش بعض النساء العمانيات الأرض ويبدعن في صنع أعمال يدوية تغدو في غاية الجمال والاتقان
وفي زاوية خارجية يمزج فنان عماني ابداعه بصلصال من روح الأرض لينتج تحفة فنية من الفخار .
وعلى الجانب الأخر ياخذ رجل مسن حفرت السنون ذكرياتها في وجهه، حيزا من المكان وفي يديه قطع من القش يصنع منها اناء بكل شغف.

ثم توجهنا إلى السور الذي فيه اصالة الماضي وعبق التاريخ ولمسات الحاضر . لقد استطاع الانسان العماني أن يجعل من هذا السور محط اهتمام من خلال ابداعه وحرفته في ترميم الاثار دون تغيير معالمها وقبل الوصول للسور ، ازقة ضيقة تروي لنا حكايات الأجداد الذين عاشوا هنا.
الجدران الطينية الممزوجة بعرق من بنوها والتي تخفي خلفها قصصا وحكايات تروى عبر الزمن،
الازقة فيها روح الانسان فهو يحاول ان يعيد إليها الألق والحياة من جديد فهي تاخذ المبدع إلى عالم آخر تجعله يطلق العنان لمخيلته لتنثر الجمال في كل مكان.

وهنا نحن نجد بوح الزمان منثور على جدران هذه الازقة العتيقة.
هناك اهتمام حكومي بترميم هذا المكان ليس لتغيير معالمه بل لاحيائه من جديد فالسياح يستكشفون المكان ولهذا تتحول البيوت القديمة إلى فنادق ومراكز سياحية لكنها تحمل روح التراث بلمسات حداثية.
لم يبق سوى تنور كبير أمام احد البيوت،،. والجدة هناك تحافظ على موروث اهلها واجدادها. وكما علمنا فهي ترفض ان تغادر المكان، فروحها معقلة فيه، ولاتريد ان تغير معالمه، فهي باقية فيه وقد كتب الزمن حكاياته في تجاعيد وجهها فتروي قسماته احكايات العقود الماضي.

لمست تشابها بين ازقة نزوى وحارات الشام القديمة فكل شق في جدرانها يروي قصص من عبروا من هنا على مر العصور. وتروي اسرار من بنى تلك الجدران وكم من حكايات حياة ضمت بينها على مر السنين التي مضت وفيها الكثير من الحب والحياة البسيطة الجميلة التي لاتشوبها تعقيدات هذه الحياة
هنا في أزقة نزوى ترى حضارة وعمق التاريخ العماني وترى أصالة هذا الشعب وماضيه. وترى مدى علاقته بارضه ومدى حبه له كيف انه يعيد إليها الحياة من جديد لتنبض بروح الاصالة.
ولتلك الجدران قلت بوحا يعبر عن سعادة عشناها خلال تلك الزيارة لمدينة نزوى.
عدنا إلى مسقط وقلبنا معلق بتلك الحارات التي ظلت مرسومة في ذهننا ورسمة صورة لاتمحى عن حياة وحضارة شعب جميل ولطيف وعريق كشعب سلطنة عمان.

وكلمما مررت بالقيمرية والعمارة وباب السلام وازقة باب شرقي بدمشق الجميلة. تذكرت ازقة نزوى المدينة التي كانت ولا زالت تخافظ على ألقها على مر السنين .
#سفير برس ـ زياد ميمان



