مهرجان مسرح الطفل في دورته التاسعة عشرة… حين تتحوّل الخشبة إلى مساحة فرح وتكوين وذاكرة
#سفير_برس نورس برو – تونس

في زمنٍ تتزاحم فيه الشاشات وتتنافس المنصّات الرقمية على انتباه الأطفال، يظلّ المسرح واحدًا من أكثر الفنون قدرةً على إعادة الدهشة إلى العيون الصغيرة، وعلى خلق مساحة حيّة للخيال والتعلّم والمتعة. من هذا المنطلق، جاءت الدورة التاسعة عشرة من مهرجان مسرح الطفل، التي احتضنها فضاء زاد للفنون – مسرح الفتح الثقافي، للفنان القدير جمال العروي، لتؤكد أن مسرح الطفل ما يزال فعلًا ثقافيًا حيًّا، وقادرًا على جمع الجمهور حول الفرجة والمعنى معًا.
أقيم المهرجان بين 20 و22 ديسمبر 2025، وسط حضور جماهيري لافت وتفاعل كثيف من الأطفال والعائلات، رغم برودة الطقس وتزامن المواعيد الثقافية في العاصمة والولايات. ثلاثة أيام كانت مليئة بالعروض المسرحية المتنوّعة، والورشات التكوينية، والتكريمات، في دورة وُصفت بالغنية على مستوى المحتوى والتنوّع والتفاعل.
دورة جديدة… بروح مختلفة
مدير الدورة التاسعة عشرة، الفنان حسام صفر، خريج المعهد العالي للفن المسرحي في تونس، تحدّث في حوار خاص لسفير برس عن خصوصية هذه الدورة، مشيرًا إلى أنها جاءت في توقيت مختلف عن الدورات السابقة:
“الدورات السابقة التي كانت بإدارة الفنان جمال العروي، وكيل شركة زاد للفنون وصاحب فضاء الفتح الثقافي، كانت تُقام عادة في فترة الصيف، بعد الامتحانات والدراسة. هذه المرّة اخترنا أن تكون الدورة خلال عطلة الشتاء، مباشرة بعد الامتحانات الأولى، من 20 إلى 22 ديسمبر، حتى نمنح الأطفال فرصة حقيقية للتفرّغ والاستمتاع بالمهرجان.”
ويضيف صفر أن هذه الدورة شكّلت له تجربة خاصة، إذ تولّى إدارتها بتفويض من الفنان جمال العروي، في محاولة للحفاظ على روح المهرجان وتطويره في آن واحد، مع مراعاة الظرف الثقافي العام وتكدّس التظاهرات المسرحية في نفس الفترة.
تكريمات تحمل ذاكرة المسرح
وتابع الفنان حسام صفر قائلاً… من أبرز ما ميّز هذه الدورة، جانب التكريمات، الذي حرصت إدارة المهرجان من خلاله على تسليط الضوء على أسماء تونسية لها وزنها في تاريخ المسرح، وخاصة مسرح الطفل.
تم تكريم الفنانة العرائسية القديرة حبيبة الجندوبي، التي تُعد من الأسماء البارزة في مجال العرائس، سواء من حيث الإنتاج أو الإخراج أو تحريك الدمى، إضافة إلى مشاركاتها الوطنية والدولية، ودورها كوكيلة لشركة “الدمية” ذات الرصيد المهم في هذا المجال.
كما شمل التكريم الفنان التونسي فرحات الجديد، وهو فنان متعدد الاختصاصات، جمع بين التمثيل المسرحي والتلفزيوني، والإنتاج، والتلحين المسرحي، ما جعله نموذجًا للفنان الشامل القادر على الاشتغال على أكثر من مستوى إبداعي.
عروض مسرحية… بين المتعة والرسالة
وبرغم بعض العوائق التنظيمية، أكّد حسام صفر أن إدارة المهرجان حرصت على انتقاء عروض ذات قيمة فنية وجمالية وتربوية عالية، قادرة على مخاطبة الطفل بلغة ذكية وممتعة.
إذ افتُتح المهرجان بعرض “الصائغ الأمين”، وهو إنتاج ذاتي لشركة زاد للفنون بدعم من وزارة الشؤون الثقافية، عرض يمزج بين العرائس والتجسيد والتشخيص، ويقدّم حكاية ذات أبعاد أخلاقية وتربوية في قالب بصري جذّاب.
كما استقبل المهرجان عرض “الصديق الوفي”، القادم من مدينة قابس، لفريق شركة الفنانين المتحدين بالشراكة مع مركز الفنون الدرامية والركحية بقابس، من إخراج عبد الله حميدات، وهو عرض ركّز على قيم الصداقة والوفاء بلغة مسرحية بسيطة وقريبة من الطفل.
أما عرض الاختتام، فكان مع “الصداقة”، من إنتاج شركة شمس غبودية وإخراج رضوان الأشطب، ليؤكد مرة أخرى أن مسرح الطفل قادر على طرح قيم إنسانية كبرى بأسلوب فني سلس ومؤثر.
ورشات… المسرح كفعل تكوين
لم يقتصر المهرجان على العروض والتكريمات فقط، بل أولى اهتمامًا خاصًا بالورشات التكوينية، إيمانًا بأن الطفل ليس مجرد متفرّج، بل شريك في العملية الإبداعية.
أقيمت ورشة في فن العرائس بإشراف الفنانة والأستاذة مرام الفقراوي، وورشة الألعاب الدرامية مع الفنان حمادي الباجي، إضافة إلى ورشة الرقص المسرحي التي أشرف عليها الفنان السوري نورس برو.
ويشير حسام صفر إلى أن ورشة الرقص المسرحي ستكون نواة لنادٍ سنوي دائم داخل فضاء الفتح الثقافي، ما يعكس رغبة إدارة المهرجان في خلق استمرارية حقيقية للتكوين الفني، وليس الاكتفاء بنشاط موسمي عابر.
وقد شهدت هذه الورشات حضورًا لافتًا من الأطفال والشباب، وخرج المشاركون بنتائج إيجابية عكست جدّية العمل وحسن التفاعل.
جمهور وفيّ… رغم كل شيء
رغم التحديات المرتبطة بتزامن المهرجان مع تظاهرات أخرى، والظروف المناخية الشتوية، كان الجمهور حاضرًا بقوة، ومتفاعلًا مع العروض والورشات، في مشهد يعكس العلاقة المتينة بين فضاء الفتح الثقافي وجمهوره.
“الجمهور هو السند الأول لنا دائمًا”، يقول حسام صفر، “وقد شرّفونا بحضورهم ولم يخذلونا، كما في كل تظاهرة ينظمها فضاء الفتح الثقافي وكل الشكر لسفير برس.”
مسرح الطفل… استثمار في المستقبل
تؤكد الدورة التاسعة عشرة من مهرجان مسرح الطفل أن هذا الفن ليس ترفًا ثقافيًا، بل استثمار حقيقي في وعي الأجيال القادمة. بين العروض، والورشات، والتكريمات، نجح المهرجان في تقديم تجربة متكاملة تجمع بين الفرجة والتكوين، وبين المتعة والرسالة.
ورغم بعض النواقص، تبقى هذه الدورة محطة مهمّة في مسار مهرجان راكم سنوات من العمل الثقافي الجاد، مؤكدة أن المسرح، حين يُقدَّم بصدق وإيمان، قادر على أن يكون بيتًا للفرح، ومنبرًا للتربية، ومساحةً لصناعة الحلم.
#سفير_برس نورس برو – تونس





