مساحة… لا طرف. بقلم : هبة دهمان
#سفيربرس _فيينا

ليس من السهل أن تشرح نفسك في عالمٍ يحبّ التصنيفات السريعة.
أن تُسأل: أنتِ مع أم ضد؟ هادئة أم صاخبة؟ عميقة أم خفيفة؟
بين هذه الأسئلة يولد شعورٌ بأن المنتصف خيار غير مرئي، رغم أنه الأكثر صدقًا.
هذا النص ليس دفاعًا، بل مساحة لشرح كيف يمكن للإنسان أن يحبّ الحياة دون تطرف، وأن يختار التوازن دون أن يخسر دفئه.
أنا لا أهرب من الضجيج، لكنني لا أبحث عنه.
أعرف أن السهر المتكرر يُفرغ اللحظة من معناها، لذلك أختار… وأترك الليل لليالي التي تستحق، وللوجوه التي لا أحتاج أمامها إلى قناع.
حين أذهب، أذهب كاملة، وحين أبقى، أبقى بسلام، دون شعورٍ بأنني أفوّت شيئًا.
في داخلي مساحات كثيرة.
أستطيع الجلوس طويلًا في حديثٍ عميق، أفتّش عن المعنى في الحياة والسياسة، وأطرح أسئلة عن الدين والمجتمع، لا لأنتصر، بل لأفهم نفسي والآخرين.
لا أملك غضبًا كافيًا لأقاتل، ولا رغبة في إثبات شيء لأحد.
أؤمن أن الأفكار القوية لا تحتاج صوتًا عاليًا، وأن القناعات الصادقة لا تُفرض.
وأحيانًا أُغلق هذا العمق كله، وأختار الخفّة.
أضحك بلا سببٍ مهم، وأتعلّق بتفاصيل تافهة، فقط لأن روحي تحتاج أن تتنفس.
لست خائفة من أن أبدو “غير جديّة”، فأنا أعرف كم أحتمل من الجديّة في داخلي.
الخفّة عندي ليست هروبًا، بل استراحة محاربٍ لا يحبّ الحرب أصلًا.
حتى علاقتي بنفسي لا تقوم على القسوة.
أحب الحركة والرياضة، لكنني كثيرًا ما أختار الكسل عن وعي، وأسمح لجسدي أن يستريح دون شعور بالذنب.
أحب الأكل الصحي وأؤمن به، لكنني لا أُخاصم شهيتي؛ إن اشتهيت يومًا ما يخرج عن هذا الإطار، أتناوله بسلام، لأن التوازن عندي أهم من المثالية.
موسيقاي تشبهني…
قد أرقص على إيقاعٍ سريع لا أفهم كلماته، كأن الجسد يسبق العقل بخطوة،
ثم أعود في الصباح إلى فيروز، لأستعيد اتزاني، وأدع صوتها يعلّمني كيف يكون الصباح أقل قسوة.
أحب سماع الكلمة قبل اللحن.
وفي الليل، حين يثقل الصمت، أحتاج أم كلثوم، أو ملحم بركات، لا لأسمعهم فقط، بل لأتعلّم منهم الصبر على الشعور.
لا أحب الامتلاء الزائد؛ لا بفكرة، ولا بأسلوب، ولا بحياةٍ مكتظة أكثر مما يجب.
القليل عندي أصدق وأبقى.
الكثير يُرهقني، يُشبه الإلحاح، ولا أرتاح لما يُفرض عليّ.
التطرّف يخيفني، لأنه يُلغي الإنسان لحساب الفكرة، وأنا أرفض أن أُمحى باسم أي شيء.
أقف في المنتصف لأنني أعرف نفسي.
لأنني جرّبت الأطراف، ووجدتها حادّة، تجرح أكثر مما تحتضن.
في المنتصف أتنفّس، أرى الصورة كاملة، وأسمح لنفسي أن أكون إنسانة… لا شعارًا.
*** وحده الحبّ والعلاقات لا يعترف عندي بالمنتصف؛
فيه أكون كاملة، أو لا أكون. ***
أنا لست بلا موقف، بل بلا عداء.
لست باردة، بل متزنة.
ولست مترددة، بل أُحسن الإصغاء لداخلي.
أنا التي تحب القليل من كل شيء،
لأنها لا تريد أن تخسر نفسها في شيء واحد.
#سفيربرس _سفير برس – هبة الله دهمان – فيينا



