فلسفة العدالة الانتقالية وجبر الضرر بالنسبة للمؤسسات. بقلم : أ. د. عبد الله المجيدل
#سفيربرس
يقتضي تناول فلسفة العدالة الانتقالية الإحاطة ابتداءً بمحددات هذا المفهوم وتخومه، بوصفه مسارًا شاملًا يضم مجموعة من الآليات القضائية وغير القضائية، من مثل: لجان الحقيقة، والمحاكمات لمعالجة الانتهاكات المادية والمعنوية، التي لحقت بالأفراد والمؤسسات، خلال فترات النزاع أو الحروب والكوارث. ويهدف هذا المسار إلى كشف الحقيقة، وتحقيق المساءلة، وجبر الضرر، بما يعزز المصالحة الوطنية ويمنع تكرار الانتهاكات، في حين يُقصد بجبر الضرر إنصاف الضحايا من أفراد ومؤسسات عبر تعويضات مادية ومعنوية ترد الاعتبار، وتسهم في ترسيخ الثقة بسيادة القانون وحوكمة المؤسسات.
وتتأسس العدالة الانتقالية على ركائز رئيسة، من أبرزها: كشف الحقيقة، والمساءلة، وإصلاح المؤسسات، والشمولية. وتعني الشمولية هنا أن تتسم برامج جبر الضرر بالتكامل بين الأبعاد المادية والمعنوية، بوصف هذه التدابير، عند تطبيقها بصورة فعالة، ركيزة جوهرية للانتقال نحو دولة القانون والديمقراطية.
وتشكل آليات العدالة الانتقالية وسيلة محورية لتحقيق المصالحة الوطنية، وإرساء سيادة القانون. وتشير مبادئ بلفاست التوجيهية إلى مسؤولية الدولة عن عمليات جبر الضرر في المجتمعات الخارجة من النزاع، ولا سيما أن غالبية الدول هي أطراف موقعة على المعاهدات الدولية، ومن بينها اتفاقيات حقوق الإنسان، ما يرتب عليها التزامات قانونية تضمن وصول ضحايا الانتهاكات الجسيمة إلى سبل الإنصاف الحقيقية والمرضية، سواء ارتُكبت هذه الانتهاكات من قبل الدولة نفسها، أم من قبل جهات فاعلة غير تابعة لها.
كما يمكن أن تتحمل الدولة المسؤولية عن الانتهاكات التي ترتكبها جهات فاعلة خاصة أو غير حكومية، سواء نتيجة التواطؤ، أو التقصير في منع وقوع الانتهاكات، أو الإخفاق في الوقاية منها أو التحقيق فيها ومساءلة مرتكبيها.
ومن جوانب العدالة الانتقالية وجبر الضرر كذلك ما يلحق بالدولة ذاتها وبمؤسساتها النقدية، نتيجة قيام بعض ضعاف النفوس من القائمين على إدارات مؤسسات عامة أو شبه عامة في الجمهورية العربية السورية بتصريف مواردها من القطع الأجنبي خارج حدود البلاد، ومنها لبنان، ملحقين في مخالفاتهم هذه ضررًا جسيمًا بالاقتصاد الوطني، إذ ينبغي أن تُعد جريمة اقتصادية تشملها منظومة العدالة الانتقالية، ويجري تقديم مرتكبيها للقضاء وتعويض خزينة الدولة بما لحق بها من خسائر بهدف جبر الضرر الذي وقع على الدولة ومؤسساتها النقدية، في أحلك الظروف، خصوصًا في الفترة التي أعقبت الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024.
ومن المعلوم أن الدول عمومًا تحظر إدخال أو إخراج عملتها
الوطنية خارج البلاد بطرق غير رسمية، وذلك للسيطرة على حجم السيولة النقدية، ومكافحة غسل الأموال، والحد من تمويل الأنشطة غير المشروعة. كما تهدف هذه القيود إلى حماية قيمة العملة الوطنية، ومنع التضخم، وضمان مراقبة حركة الأموال عبر الحدود، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية، فضلًا عن مكافحة المضاربة والتهرب الضريبي، والالتزام بالأنظمة المصرفية، والحد من التزوير، وتعزيز السيادة النقدية. ووفقاً للقانون المؤطر بالمرسوم التشريعي رقم 6 لعام 2024 (المعدل للقانون 24 لعام 2006)، يعاقب من ينقل أو يحول العملات الوطنية (الليرة السورية) أو الأجنبية من وإلى خارج سوريا دون ترخيص بالسجن المؤقت من 5 إلى 15 سنة، وغرامة مالية تعادل ثلاثة أضعاف المبالغ المصادرة، مع مصادرة المبالغ المضبوطة ولا يجوز إخلاء سبيله. ومع أن هذا المرسوم جائرا بالنسبة للأفراد، ومجمد حالياً بانتظار عدالة الشعب لتعديله، إلا أن تهرب المؤسسات من التصريف في المصرف التجاري السوري والتصريف في لبنان أمراً مختلفاً عن مسألة الأفراد.
ولعل من حسن الطالع أن أُنيطت مهمة رئاسة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بالأخ العميد عيد الباسط عبد اللطيف، وهو رجل عرفته منذ ستة وثلاثين عامًا، حين كان مديرًا لناحية تل براك، واشتهر آنذاك، كما هو اليوم، بالنزاهة والعدل. ولا يزال أهالي تل براك يذكرونه بكل خير، لما تركه من أثر طيب، بوصفه أنموذجًا لرجل الأمن الداخلي العادل والمنصف، الذي لا يخشى في إحقاق الحق وتنفيذ القانون لومة لائم. ومن هذا المنطلق، نتطلع ألا تغيب المخالفات الاقتصادية التي ارتكبتها بعض المؤسسات العاملة في سورية، والتي قامت بتصريف مواردها من القطع الأجنبي في لبنان، وحرمت المصرف التجاري السوري منها، عن مسار العدالة الانتقالية، لما ألحقته من ضرر بالغ في اقتصاد وطننا الحبيب، الذي هو اليوم أحوج ما يكون إلى توظيف كل موارده في عمليات إعادة البناء.
#سفيربرس _بقلم : أ. د. عبد الله المجيدل
عضو اتحاد الكتاب العرب



