إعلان
إعلان

حفلات التوقيع.. حين تتحول الكتب إلى لقاءات إنسانية

#سعاد زاهر –سفير برس

إعلان

في المساء، حين تنعكس أضواء الأجنحة على عناوين الكتب، لا يمكن أن تمشي بين أجنحة دور النشر من دون أن يستوقفك مشهدٌ دائريّ، كاتب يجلس خلف طاولة صغيرة، وجمهور يلتفّ حوله، ليست المسألة بيع نسخٍ إضافية، فهناك أحساس مبهم تترجمه تلك الرغبة في الاقتراب من الكاتب المفضل.

حفلات التوقيع في معرض دمشق الدولي للكتاب، تصنع مشهداً خاصاً داخل المعرض، كطقس ثقافي تتكوّن قوّته من تفاعل الطرفين ومن قوة المنتج نفسه، وتتحول الحالة إلى حوار بين الكاتب والقارئ، ويصنع لحظة لا تتكرر، وتمنح الكتاب حضوراً مميزاً خارج تلك الرفوف التي تصطف عليها عادة. وخلال جولة مراسلة “الثورة السورية” في المعرض، كان لها وقفات مع عدد من الكتّاب الذين احتضن المعرض حفلات توقيع لكتبهم.

ماذا يعني أن يوقّع كتابه؟

الكاتب والناشر عبد القادر الجاسم يرى في حفل التوقيع “لحظة ثقافية حيّة يتحوّل فيها النص من كونه عملاً مطبوعاً إلى فعل تواصل”، في تلك اللحظة، يتعرّف الكاتب إلى الأثر الفعلي لما كتب، يلمس ردود الفعل، يسمع الأسئلة، ويكتشف كيف يفهم الآخرون نصّه، وإنها “فرصة ليدرك أن الكتابة ليست فعلاً فردياً خالصاً، بل حوار مفتوح”.

وعلى المستوى المهني، يمنح التوقيع للكاتب حضوراً في المشهد الثقافي، ويفتح أبواب علاقات جديدة مع قرّاء ونقّاد وناشرين وإعلاميين، وعلى المستوى الإنساني، هو لحظة اعتراف متبادل، بين الكاتب الذي يعترف بقارئه، والقارئ الذي يمنح الكاتب ثقته ووقته واهتمامه.

أما الناشر من دار “توتول” محمد الطاهر، فيرى أن حفلات التوقيع تقدّم فرصة للكتّاب لعرض إبداعهم في أكبر تظاهرة ثقافية لم تحصل منذ أربعة عشر عاماً، في هذا السياق، يصبح التوقيع فعلاً استثنائياً، لأنّه يأتي بعد انقطاع طويل، ويعيد وصل ما انقطع بين النص وجمهوره.

بين سماء السلام وتربة الحرب

في لقاء مراسلة “الثورة السورية” مع الكاتب عمار الأمير، كان السؤال الأول يتعلّق بالإحساس الذي يرافق توقيع كتاب كُتب في زمن الحرب، في معرض يُقام بعد التحرير، فيجيب الأمير قائلاً: أشعر أني أحلّق في سماء السلام وأقدامي مغروسة في تربة بعثرتها الحرب، إنها صورة مكثّفة تختصر مفارقة، فالكتاب الذي وُلد في زمن الألم، يُوقَّع اليوم في زمن مختلف، لكن هل تغيّرت علاقته بالنص؟

العلاقة بين الأمير ونصّه لم تتبدّل، فبينهما كما أوضح “حب صادق” لا يخضع لتقلّبات المزاج، وحين يوقّع كتابه، يدرك أنه يوقّع على آراء وأفكار لا سبيل للعودة عنها، لأنها أصبحت في متناول القرّاء، وعن الكتابة في زمن الحرب، يصفها بأنها مسير “بسعادة في طريق يعلم جيداً أنه سينتهي بالألم”، إنها مفارقة أخرى، فالكتابة ليست خلاصاً كاملاً، لكنها الطريق الوحيد الممكن.

 

في عمله «قيلولة على وسادة الحرب» الذي وقعه خلال المعرض، يقف الأمير بعينه اليمنى على حق العدالة الانتقالية لأبطال قصصه، وبالعين اليسرى على الحرية التي يريد أن يحميها بعد أن استحقها الشعب، الكاتب، في هذه الرؤية، شاهد ومشارك في آن. وعن دور الأدب اليوم، يعتقد أنه لم يعد مطالباً بأن يكون أرشيفاً للوجع فقط، “لا أوجاع بعد أن فرّ مسببها”، ويرى في الأدب شريكاً في النهوض، وعن الذي كان يخشاه أثناء الكتابة، يوضح بأنه كان “لماذا تكتب ولا حول ولا قوة للقلم أمام السلاح؟”، اليوم، يتمنّى أن يُطرح عليه ليجيب: “لقد انتصرت أرواح الشهداء والأقلام”.

 

نصوص انتظرت (14) عاماً

بالنسبة للدكتورة ميمونة قاسم بكر، حفل التوقيع بالنسبة لها مناسبة ثقافية، ولحظة ولادة متأخّرة، فديوانها كُتب قبل الحرب، وكان من المفترض أن ترى نسخه النور في آذار 2011، لكن مع اندلاع الثورة السورية غضّت الطرف عن الموضوع، ولم تفكّر جدياً في طباعته إلا بعد التحرير.

وتصف البكر الأمر بأنه أشبه بمولود ظلّ ينتظر الخروج إلى الحياة أربعة عشر عاماً، والنصوص التي كتبتها في زمن الحرب كانت “مصدر أرق دائم، سؤال واحد كان يطاردني، من سيقرأ هذا؟ لم يكن هناك أمل بالنشر، ولا يقين بأن الكلمات ستجد طريقها إلى الضوء”، وكانت النصوص، كما تقول، “أسراباً من الغيوم تنتظر لحظة هطول مغايرة للتوقعات، وقد تحقّقت تلك اللحظة.”

والكتابة بالنسبة للبكر كانت رفيقة يأس كاد أن يستمسك بروحها، مرّ زمن عزفت فيه عنها، لكن الكلمات كانت تُتلى بلا وعي في مخيلتها، وبعض النصوص انسكبت دفعة واحدة، كما لو أن الذاكرة كانت تملي عليها ما لا تستطيع تأجيله.

وعن دور الأدب اليوم، ترى البكر أن المسؤولية كبيرة، فالأدب مطالب بحفظ الأمانة، لا بتأريخ الوجع فقط، والأفكار الخالدة والقيم الكبرى تتجايل عبر العصور، والأدب هو الحامل الأمين لها، أما النوافذ الجديدة للحياة، فتؤمن أن الجيل الجديد سيفتحها، حين يقرأ هذه السنوات بشغف وانفعال.

والسؤال الذي كانت تخشاه البكر أثناء كتابة مجموعتها القصصية عن الثورة كان: “ما الذي ستقدمينه أنتِ للثورة بقصصك هذه؟”، وتعترف هنا بأنها كانت في غاية الجبن حين تحاول الإجابة، وعاشت في العاصمة، ولم ترغب في مغادرتها، لكن الحياة فيها كانت ملتبسة، متلونة، لم تقدّم شيئاً ملموساً، كما تقول، لكنها تأمل أن تشفع لها حكاياتها، وأن تكون منصفة لمن كتبت عنهم.

أما عن حفلات التوقيع، فقد كانت ترى فيها سابقاً مجرّد إشهار، لكنها اكتشفت أنها دفعة معنوية كبيرة، في تلك اللحظة، يرى الكاتب مؤلَّفه من جديد، ويرى الناس يحتضنون جزءاً من حياته بين أيديهم، فالتوقيع باختصار، “أمل بعمل جدي”.

 

بلا أقنعة

يصف الكاتب غسان حورانية شعوره في المعرض بأنه شعور بالانتماء الحقيقي، ويقول: “أشعر لأول مرة أن المعرض وكل ما فيه يمثّلني”، ويضيف، الكتاب اليوم أكثر قرباً من قرّائه، والزوّار يأتون للبحث عمّا يريدون قراءته فعلاً، لا عمّا يُراد لهم أن يقرؤوه.

 

وعن دور الأدب، يرى حورانية أن أحداً لا يستطيع أن يطلب من الأديب أن ينسى الوجع، فسنوات القهر تركت آثاراً لا تُمحى بسهولة، لكن ذلك لا يعني أن تُصادر الذكريات الأليمة الرغبة في النهوض وتذوّق الحياة من جديد، فالأدب يستطيع أن يحمل الذاكرة، من دون أن يحبسها في قفص الألم.

وفي زمن الرقابة، كما يصفه، كان الحذر يكتنف كل الحركات، كان الجميع يشعر بحاجة إلى قناع يخفي وراءه مشاعره الحقيقية، أما اليوم، بلا أقنعة، يستطيع الكاتب أن يجيب على كل شيء ويكتب ما يريد، وحفل التوقيع هنا يصبح مساحة حرّة للحوار، لا ساحة للمراوغة.

ويرى أن هذه الحفلات فرصة ثمينة لقياس أثر الإبداع على ألسنة القرّاء، ولتوطيد العلاقات بين المؤلفين أنفسهم، ويقترح تخصيص مساحة للقاء كتّاب القصة والرواية والمسرح مع المخرجين وأصحاب شركات الإنتاج الفني، لأن النص الأدبي الناجح هو البذرة الأولى لأي عمل درامي أو سينمائي ناجح.

الاجتماع مع الكتب

بالنسبة للكاتبة غفران طحان، يبدو كل ما حدث حلماً غريباً وجميلاً في آن، كانت ممنوعة من اعتلاء أي منبر ثقافي، وكتبها لم تكن متوفرة في الداخل، وأن تجتمع مع كتبها في معرض دمشق للكتاب منحها شعوراً بالفرح والتفاؤل.

 

وروايتها «فاصلة بين نهرين» ومجموعتها القصصية «ضوء في الشرفة» كُتبتا خلال الحرب، وتنظر إليهما اليوم بفخر، لأنها بالاستعانة بالكتابة استطاعت أن تنجو، وعبرت مع حروفها نحو صورة لسوريا ما زالت تنتظر أن تتشكّل كما يليق بتضحيات أبنائها.

وتقر طحان إن الكتابة هي التي أنقذتها من الجنون الذي عاشته البلاد، فصعدت كل ما تعيشه من ألم يومي إلى نص، وترى أن الأدب اليوم مسؤول عن نقل روح سوريا الجميلة، سوريا السلام والحب والوحدة، ولا يعني ذلك نسيان ما حدث، بل تجاوزه لبعض الوقت، وكتابته بصدق يليق بالاسم الكبير للوطن.

ولا تخشى طحان الأسئلة، وتعتبر نفسها منفتحة على كل وجهات النظر، لكنّها تشير إلى مفارقة صغيرة، في حفلات التوقيع قد يصبح الأمر ثقيلاً حين تجد نفسك أمام صديق لا تستطيع أن تكتب له إهداء إن لم يشتر العمل، هنا يتداخل الإنساني بالمهني، وتظهر حساسية اللحظة.

توّفر حفلات التوقيع في معرض دمشق الدولي للكتاب لحظة مصالحة بين الكاتب ونصه، وبين النص وجمهوره، بعد سنوات من الانقطاع القسري، فعلى تلك الطاولات الصغيرة، المزدحمة بالأسئلة والوجوه، يتحول الحبر إلى جسر يصل ما انقطع، وتصير الكلمة شاهداً على زمن كُتب فيه الكثير في الظل، ليُوقَّع اليوم تحت الضوء.

#سفيربرس _سعاد زاهر 

إعلان
إعلان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *