إعلان
إعلان

كتب د. عطية العلي : المجلس الاستشاري الوطني… خبرات وطنية لدعم بناء سوريا المستقبل

#سفيربرس _الكويت

إعلان

تمرّ سوريا اليوم بمرحلة تحتاج فيها إلى جمع كل طاقاتها الوطنية، لأن إعادة بناء الأوطان لا تقوم على الموارد وحدها، بل على العقول التي تعرف كيف تحول التحديات إلى فرص، وكيف تجعل من الخبرة والمعرفة أدوات لصناعة المستقبل. فالثروات تحتاج إلى من يحسن إدارتها، والمشروعات تحتاج إلى من يخطط لها، والقرارات الكبرى تحتاج إلى رؤية تجمع بين الخبرة والحكمة وبعد النظر.

لقد أثبتت تجارب الدول الناجحة أن نهضة الأوطان تقوم على تكامل المؤسسات، وتلاقي الخبرات، والاستفادة من الطاقات الوطنية المتنوعة، فحين تتكامل العقول تتسع الرؤية وتصبح القرارات أكثر قدرة على خدمة الوطن وتحقيق أهدافه.
ومن هنا تأتي أهمية وجود مجلس استشاري وطني يضم نخبة من أبناء سوريا من أصحاب الخبرة والاختصاص في مختلف المجالات؛ ليكون بيتاً للخبرة، ومنصة للفكر، وجسراً بين المعرفة وصناعة القرار، يقدم الدراسات والرؤى والمقترحات التي تساعد مؤسسات الدولة على اتخاذ قرارات أكثر دقة وفاعلية.
إن سوريا اليوم بحاجة إلى استثمار أعظم ثرواتها: الإنسان السوري. فهذا الوطن لم يفتقر يوماً إلى الكفاءات؛ ففيه العلماء والأطباء والمهندسون والاقتصاديون والخبراء في الإدارة والتعليم والصحة والسياسة والقانون والعلاقات الدولية والشؤون الاجتماعية والعسكرية، كما أن أبناء سوريا في الخارج يمثلون رصيداً كبيراً من التجارب والمعارف التي يمكن أن تسهم في مشروع البناء الوطني.
ولا يعني وجود هذا المجلس أن يكون بديلاً عن مؤسسات الدولة القائمة، أو منافساً لها، بل هو إطار استشاري داعم يهدف إلى رفد مؤسسات الدولة بالخبرة والمعرفة. فالمجلس يقدم الرأي والدراسة والتحليل، بينما تبقى مسؤولية اتخاذ القرار وتنفيذ السياسات من اختصاص الجهات الرسمية المعنية وفق الصلاحيات الممنوحة لها.
ومن المهم التأكيد أن المجلس الاستشاري الوطني لا يتعارض مع دور مجلس الشعب ولا يتداخل مع اختصاصاته الدستورية؛ فمجلس الشعب يبقى المؤسسة المعنية بالتشريع ومناقشة القوانين وممارسة دوره الرقابي. أما المجلس الاستشاري فهو جهة مختلفة في طبيعتها ووظيفتها؛ إذ يقدم الخبرة والدراسات المتخصصة التي يمكن أن تستفيد منها القيادة والحكومة ومجلس الشعب وسائر مؤسسات الدولة.
فكما يمكن للحكومة الاستفادة من رؤى الخبراء عند إعداد الخطط والبرامج، يمكن لأعضاء مجلس الشعب أيضاً الاستعانة بالدراسات والمقترحات التي يقدمها المجلس الاستشاري عند مناقشة القضايا الوطنية أو تطوير التشريعات، بما يعزز جودة العمل المؤسسي ويقرب القرارات من الواقع واحتياجات المجتمع.
إن المرحلة القادمة تحتاج إلى أن تكون القرارات الوطنية محاطة بأوسع دائرة ممكنة من المعرفة والخبرة؛ فالقضايا الاقتصادية تحتاج إلى خبراء الاقتصاد والتنمية، والقضايا الإدارية تحتاج إلى أصحاب التجارب في بناء المؤسسات، والقضايا التعليمية تحتاج إلى رجال التربية، والقضايا الصحية تحتاج إلى المتخصصين، والقضايا الاجتماعية تحتاج إلى فهم عميق للإنسان والمجتمع، والقضايا الأمنية والدفاعية تحتاج إلى الخبرات الوطنية المتخصصة.
ومن أجمل ما يمكن أن يميز هذا المجلس أن يكون جامعاً لكل أبناء سوريا، بعيداً عن أي تصنيف ضيق أو حسابات فئوية؛ فالوطن أكبر من الجميع، وكل عقل سوري مخلص يمثل قيمة مضافة ينبغي الاستفادة منها.
قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، فالشورى قيمة راسخة في بناء المجتمعات، لأنها تقوم على احترام العقل، والاستفادة من الخبرات، والبحث عن الرأي الأقرب إلى الصواب.
وقال النبي ﷺ: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار»، فطلب المشورة ليس علامة ضعف، بل دليل على الوعي بأهمية تعدد الرؤى وتكامل الخبرات.
ولكي ينجح هذا المجلس، فإنه يحتاج إلى مجموعة من الأسس المهمة؛ في مقدمتها استقلالية الرأي، بحيث يقدم أعضاؤه رؤيتهم بكل وضوح وتجرد، والكفاءة والخبرة بحيث يكون الاختيار قائماً على العلم والإنجاز، وروح المسؤولية الوطنية بحيث يكون الهدف الأول هو مصلحة سوريا ومستقبل أبنائها.
كما يمكن لهذا المجلس أن يكون جسراً مهماً للتواصل مع الكفاءات السورية في الخارج؛ فالكثير من أبناء سوريا حققوا نجاحات كبيرة في الجامعات والمؤسسات ومراكز الأبحاث والشركات العالمية، ويمكن أن يقدموا خبراتهم وتجاربهم دعماً لمسيرة التنمية والبناء.
إن الأوطان التي تنهض هي التي تعرف قيمة عقولها، وتفتح المجال أمام أصحاب الخبرة للمساهمة في صناعة المستقبل. فالعقل الوطني عندما يجد البيئة المناسبة للعطاء يتحول إلى قوة بناء، وإلى طاقة تدفع عجلة التنمية والاستقرار.
وسوريا، بما تملكه من تاريخ عريق، وموقع متميز، وثروات طبيعية، وطاقات بشرية كبيرة، بحاجة اليوم إلى كل فكرة مخلصة، وكل تجربة ناجحة، وكل رأي وطني يسهم في تجاوز التحديات وصناعة المستقبل.
إن إعادة بناء سوريا لا تعني فقط إعادة إعمار الحجر، بل تعني قبل ذلك بناء منظومة تفكير تعتمد على العلم والخبرة والحوار. فالأوطان لا تُبنى بالإمكانات وحدها، وإنما بالعقول التي تعرف كيف تحول الإمكانات إلى إنجازات.
فالمجلس الاستشاري الوطني ليس سلطة جديدة، ولا بديلاً عن مؤسسات الدولة، بل هو مساحة وطنية للخبرة والمعرفة، تسهم في دعم القرار، وتعزيز جودة العمل المؤسسي، وجمع الطاقات السورية من أجل مستقبل عنوانه الحكمة، وروحه المشاركة، وغايته وطن قوي مزدهر يحتضن جميع أبنائه.

#سفيربرس _بقلم :د. عطية العلي _الكويت 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *