إعلان
إعلان

وهم العادي. بقلم : هبة دهمان

#سفيربرس _فيينا

إعلان

يمرّ الزمن بهدوء لا نشعر به في لحظته، لكنه يترك أثره في كل شيء حولنا الأيام التي نعيشها الآن، والتي قد تبدو عادية أو حتى مملّة أحيانًا قد تتحوّل بعد سنوات إلى ذكريات نتمنى لو نستطيع العودة إليها ولو للحظات. ففي خضم انشغالنا بتفاصيل الحياة اليومية، ننسى أن ما نملكه اليوم من صحة وطاقة وقدرة على العمل والحركة هو في حدّ ذاته نعمة كبيرة، لكنها غالبا تمرّ دون أن نمنحها الانتباه الذي تستحقه.الإنسان بطبيعته يميل إلى التقليل من قيمة ما هو متاح له باستمرار؛ فكل ما اعتدناه يصبح مألوفا إلى درجة أننا نتعامل معه وكأنه أمر مضمون لا يمكن أن يتغيّر. غير أن الزمن لا يتوقف عند هذا الشعور، بل يمضي بهدوء ليعيد ترتيب المعاني في داخلنا، فيحوّل اللحظات البسيطة إلى ذكريات ثمينة، ويجعل التفاصيل الصغيرة التي لم نلتفت إليها يومًا مصدر حنين عميق. كم من شخص ينظر إلى ماضيه اليوم فيدرك أن أكثر الفترات التي اشتكى منها كانت في الحقيقة أجمل مراحل حياته، لأنها كانت مليئة بالقدرة والأمل والفرص التي لم يكن يدرك قيمتها آنذاك. نحن غالبا نؤجل الامتنان للحياة إلى وقت لاحق، ونعتقد أن السعادة الحقيقية مرتبطة بإنجاز كبير أو تغيّر جذري يحدث في المستقبل بينما قد تكون السعادة كامنة في تفاصيل يومية نعيشها الآن دون أن نلاحظها.

ففنجان قهوة هادئ في الصباح، أو حديث بسيط مع صديق، أو لحظة راحة بعد يوم طويل، كلها أمور تبدو عادية جدا، لكنها مع مرور السنوات قد تتحول إلى ذكريات دافئة تحمل قيمة أكبر بكثير مما ظننا لهذا، ربما يكون من الحكمة أن نتعلّم التوقف أحيانا وسط سرعة الحياة، وأن نمنح أنفسنا لحظة تأمل صادقة نعيد فيها النظر إلى ما نملكه الآن. ليس المطلوب أن تصبح حياتنا مثالية ولا أن تختفي منها المتاعب، بل أن نتعلّم رؤية الجانب الذي يستحق الامتنان فيها فالحياة ليست فقط مجموعة من الأهداف التي نسعى لتحقيقها بل هي أيضا تلك اللحظات الصغيرة التي تتسلل بهدوء بين انشغالاتنا اليومية ومع مرور الوقت، نكتشف أن هذه اللحظات تحديدًا هي التي تشكّل جوهر الذكريات التي تبقى معنا. في النهاية، قد لا ندرك قيمة اللحظة وهي تمرّ، لكننا سندركها حتمًا عندما تصبح ذكرى لذلك، ربما أجمل ما يمكن أن نفعله لأنفسنا هو أن نعيش أيامنا بوعيٍ أكبر وأن نمنح التفاصيل الصغيرة مكانها الذي تستحقه في قلوبنا فالحياة، في حقيقتها ليست تلك اللحظات الكبيرة التي ننتظرها طويلا بل هي هذه الأيام العادية التي نعيشها الآن… والتي قد نتمنى يوما لو نستطيع العودة إليها مرة أخرى .

نحن لا نخسر الأيام دفعة واحدة بل تتسرّب من بين أيدينا بهدوء لحظة بعد لحظة دون أن ننتبه وكل ما نظنّه عاديا اليوم يحمل في داخله قيمة خفيّة لن تنكشف لنا إلا عندما يصبح بعيدا  لذلك، ربما تكون الحكمة الأهم التي يمكن أن نصل إليها ليست في مطاردة المستقبل ولا في اجترار الماضي بل في القدرة على رؤية الحاضر كما هو: هشّ، عابر، لكنه ثمين إلى حدّ لا يمكن تعويضه أن نعي أن هذه اللحظة بكل ما فيها من بساطة أو تعب أو حتى فوضى هي جزء من حياة سنشتاق إليها يوما ما. أن نخفّف قليلًا من اندفاعنا وأن نمنح أنفسنا فرصة حقيقية للشعور بما نعيشه بدلا من المرور السريع عليه فليس كل ما يستحق أن يُعاش يكون استثنائيا بل إن أعظم ما في الحياة غالبا ما يكون متخفّيا في التفاصيل التي لا نلتفت إليها وربما، حين نتعلّم أن نحتضن أيامنا كما هي لا كما نريدها أن تكون، سنكتشف أن ما كنّا نبحث عنه طوال الوقت لم يكن بعيدا ، بل كان هنا… في هذه اللحظة بالذات، ينتظر فقط أن نراه .

#سفيربرس_هبة الله دهمان_فيينا..

 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *