المقال (3): رقيّ التغافل.. سيادة النفس في ترك التدقيق. بقلم : د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت
— الموقف:
كثيراً ما تتحول بيوتنا وجلساتنا إلى “محاكم تفتيش”، حيث نُسلط الأضواء على كل هفوة، ونُحاسب على كل زلة لسان، ظناً منا أن الإصلاح يبدأ بالرصد والتدقيق. هذا المنهج “المجهري” في التعامل لا يُنتج إلا التوتر والجفاء؛ فالعلاقات الإنسانية تحتاج إلى مساحات من “العمى الاختياري” لتستمر بنقاء. التغافل ليس غفلة، بل هو ترفُّع القويّ عن الصغائر إبقاءً للمودة، وحفاظاً على هيبة الموقف للأمور العظيمة.
— من مشكاة القيم:
لقد ضرب لنا القرآن الكريم أروع الأمثلة في أدب التغافل، حين أسرّ النبي ﷺ حديثاً لبعض أزواجه، فلما نُبئ به، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ (1). وفي السير عن الإمام أحمد بن حنبل قوله الشهير: «تِسْعَةُ أَعْشَارِ العَافِيَةِ في التَّغَافُلِ» (2). وكما قال الشاعر (3):
لَيسَ الغَبِيُّ بِسَيِّدٍ في قَومِهِ .. لَكِنَّ سَيِّدَ قَومِهِ المُتَغابي
— الأثر التربوي:
أثر التغافل في التربية هو منح المتربي “فرصة ثانية” دون شعورٍ بالخجل. حين تتغافل عن خطأ عابر لابنك، أنت لا تشرعن الخطأ، بل تحمي كرامته من الخدش وتمنحه فرصة لإصلاح نفسه ذاتياً. المربي الذي يُدقق في كل صغيرة يقتل روح المبادرة ويدفع الأبناء لممارسة “التحايل”، أما المتغافل فهو “سيدٌ” في بيته، يُهاب في العظائم ويُحب في الصغائر.
— زاوية القارئ:
ما هو الخطأ الذي تغافلت عنه اليوم وكان بإمكانك إثارة جدل حوله، وكيف شعرت بعد هذا التغافل؟
—————————————
(1) سورة التحريم، الآية: 3.
(2) أخرجه البيهقي في “شعب الإيمان” (11/141) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ زَائِدَةَ عَنْ الإمام أحمد.
(3) البيت للشاعر أبي تمام (حبيب بن أوس الطائي).
#سفيربرس _بقلم : د. عطية العلي



