إعلان
إعلان

كتب زياد ميمان : غربة الحبر.. حين يخذل الرصيفُ الكلمات

إعلان
روى لي أحد الأصدقاء وهو من الذين نعتبرهم من “المثقفين العتقاء” —ممن تشربت أرواحهم رائحة الورق— حكايةً تقطر مرارة عن أفول عصر الكتاب. يرى هذا المثقف أن الكتاب في زمننا “الرقمي” المتسارع تحول من “خبزٍ للفكر” إلى “قطعة ديكور” باردة، أو رفاهية مكدسة لملء الفراغات لا العقول.
ولأنه أراد أن يختبر يقينه هذا، أجرى تجربةً قاسية على قلبه؛ وقف في شرفة منزله المطلة على صخب أحد شوارع دمشق وألقى بمجموعة من الكتب على حافة الطريق، بعضها من ثمار فكره وتأليفه، وبعضها مما اقتناه عبر السنين. وقف يراقب من علٍ، والأسئلة تنهشه: “هل سيهرع إليها عابر سبيل؟ هل ستوقظ الفضول في عين طفل أو طالب علم؟”.
مرت الساعة الأولى.. والناس يمرون فوق أرصفة النسيان دون التفاتة. مرت الثانية.. والعيون مصلوبة على شاشات الهواتف الصغيرة، لا أحد يرى الكنوز الملقاة على قارعة الطريق. ظلّت الكتب وحيدة، تقاوم غبار التجاهل لساعات طويلة، حتى خيّم المساء بظلاله الكئيبة.
نزل الرجل والأسى يثقل خطاه ليستردّ “كرامة” كتبه من الشارع، ففوجئ باختفائها! للحظة، أزهرت في قلبه بارقة أمل ضئيلة: “ربما وجدت من يقدرها!”. لكن الأمل سرعان ما تبخر حين خرجت صيدلانية الحيّ قائلة بلهفة: “يا دكتور، لقد وجدتُ هذه الكتب ملقاة على الأرض، ربما سقطت منكم سهواً”، وأعادت إليه خيبته مغلفةً بجلاد الكتب.
عاد الدكتور يحمل انكساره، موقناً أن زمن الكتاب قد ولّى بغير رجعة. لكنني، بمزيج من السخرية والواقعية، قلت له:
“يا صديقي، متى قمت بهذه التجربة أقصد في أي توقيت من السنة فقال في الصيف فقلت: لقد أخطأت التوقيت! فقصتك حدثت في وهج الصيف.. لو أنك ألقيت بكتبك تلك في قرّ الشتاء، لما بقيت على الرصيف دقيقة واحدة؛ ليس لأن الجوع للمعرفة زاد، بل لأن الجوع للدفء سيجعلها وقوداً مثالياً لأقرب مدفأة حطب!”
#سفير برس ـ زياد ميمان#
إعلان
إعلان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *