إعلان
إعلان

ظلال الأيام…ديوان الشاعر أنور العطار بين الذاكرة والحنين .. بقلم :عزيزة المبارك

#سفيربرس

إعلان

أنور العطار شاعر سوري من أسرة بعلبكيه.. ولد في دمشق وترعرع في أسرة متدينة تحب العلم والصلاح، ذاق مرارة اليتم مبكراً فكفله أخوه الأكبر وعوضه حنان الأب.

تلقى علومه في دمشق وكان مولعاً بالرياضيات في شبابه، قبل أن تأسره ميادين الشعر والأدب، ارتبط بعلاقات وثيقة مع كبار رجالات الفكر آنذاك منهم (محمد كرد علي ومعروف الأرناؤوط. وكان من أصدق رفقائه الكاتب الكبير (الشيخ علي الطنطاوي). رحل الشاعر أنور العطار عام (١٩٧٢) مخلفاً وراءه إرثاً أدبياً غنياً منه مؤلفات نثرية (الوصف والتزويق عند البحتري، أسرة الغزل في العصر الأموي، وغيرها من الدراسات، بالإضافة لدواوين شعرية مثل (البواكير، الأشواق، ظلال الأيام الذي يشرفني دراسة بعض من جوانبه في هذا المقال.

يعدُّ ديوان ظلال الأيام العمل الشعري الأول والأبرز للشاعر الكبير انور العطار صدرت طبعته الأولى في دمشق عام (١٩٨٤). وصَّف من خلاله تجربته الوجدانية والشخصية وبدافع من تأثره. وتعلقه بمدينته (دمشق). النص يعد إرثاً من الجمال يعبق بروائح البخور كأنه نهر من جنان، ضمم فيه الشاعر عصارة قلبه بدافع وجداني. وكان تأريخ لتجربته الشخصية.

الإهداء:
النص إهداء رقيق من الشاعر لوالدته اعتبرها العشق الأوحد الذي لا ينضب، الأم التي يعتبرها المعلم الأول للقيم الإنسانية والأخلاقية، ويرى عطاءها وحنانها القوة التحويلية التي غيرت حياته من القسوة إلى النعيم والراحة.

مقدمة الديوان كتبها الشيخ الكبير (علي الطنطاوي)، وذلك نتيجة لوعد قطعه للشاعر منذ ما يقارب الخمس والعشرين عاما أذ تنبأ له بأنه سيصبح شاعراً كبيراً والشيخ الطنطاوي سيغدو كاتباً ليكتب له مقدمة أول ديوان له. لتبدو لنا هنا كل مظاهر الوفاء والصداقة.
فجاءت هذه الافتتاحية عاصفة بكل المشاعر الوجدانية برز فيها أسلوب الطنطاوي السهل الممتنع وصدق مشاعره من خلال عمق الروابط الإنسانية والاجتماعية والصداقة التي تربطه بالشاعر، وهذه الأحاسيس المشحونة بالحنين والذكريات، كما تظهر صورة من شخصية الطنطاوي المتواضعة، وبراعته في اختيار اللغة من خلال استخدامه التشابيه والاستعارات وتفننه في احترافها، بحيث أتت المقدمة تحفة فنية وجدانية تمزج بين الاعتزاز بالصداقة والرؤية الفلسفية للوقت مصاغة بأسلوب إبداعي معتمد على البساطة والعمق اللغوي والتصويري.

كلمة:
بعد المقدمة الآسرة عنوان (كلمة) كتبها الأستاذ معروف الأرناؤوط الذي كانت تربطه بالشاعر علاقة طيبة، الأرناؤوط وصف الشاعر بالقيثارة بعض أوتارها للغناء وبعضهم للبكاء كدلالة على رقة مشاعره ونزوعه إلى التأمل الحزين الذي يلامس الأرواح، كما يصف الأرناؤوط ديوان العطار بأنه جامع بين مشاعر الآلام والمسرات والحظوظ اللامعة والحظوظ الكئيبة في دلالة على التجربة الشعورية العميقة والشاملة للحياة الإنسانية بكل تناقضاتها ويختتم الأستاذ معروف كلمته في الدلالة إلى شعريه النص كأنه إحساس رقيق يجيش في روحه، تأكيداً على الصدق الوجداني في نصوص الديوان،. ويرى إن فكرة الجمال في شعر العطار ليست مجرد محاكاة بل فكرة يتناقلها الأجيال كإرث للمستقبل في رمزية على صفة الاستمرارية والخلود واعتبر الشاعر بأنه يخط الفريد من الشعر كصائغ للجمال باعتباره طاقة إيجابية ونورانية تمنح المتلقي شعوراً بالتحديد والسعادة.

شرح عام
الديوان تضمن عدداً من النصوص الوجدانية المنفصلة لم يعتمد تقسيمه لمحاور بل تم تنسيقه تباعاً بشكل يوحي أن الشاعر اتبع سجيته وتدفق الأفكار والذكريات، بحيث يبحر القارئ في أغوار النصوص قصيدة تلو الأخرى هائماً بيمٍّ من الفردوس اللفظي والإيقاع الموسيقي الرقيق، وقد عنون قصائده كل بحسب وقع الحدث على مشاعره وتدفق الإلهام في روحه، القصائد هي: ( ظلال الأيام، الخريف، دمشق، غوطة دمشق، بردى، دمر، الربيع، آذار، لبنان، غاليه في لبنان، الحمامة، الشجرة، عبقرية الفن، بنيتي، المدينة المسحورة، النهر الشاعر، فرحة الأيام، الله، النبي اليتيم، ذكر المولد، جيش أسامة، الصحراء، دجلة في الليل، البصرة، الشهيد، القلم، الليل في بغداد). يلاحظ القارئ منذ اللحظة الأولى الأسلوب الرمزي في النصوص كافة، وذكر أسماء الأماكن دليل على الحنين والتعلق بالمكان (دمشق، لبنان، بغداد). وتأثيره على لواعج روحه، مما يدل على العمق الوجداني الذي شكلته الأماكن وتأثيرها على رسم هوية الشاعر العاطفية حيث اعتبرها ملجأ للجمال ليس كوصف للواقع بل هي انعكاسات لما تركته في نفسه من لواعج الذكريات والحنين.
يظهر لنا بوضوح سيطرة العاطفة الفردية لدى العطار بحيث يصبح العالم الخارجي لديه مجرد مرآة تعكس مشاعره الداخلية وتقلباته المزاجية.
يبدو الأسلوب الرمزي جلياً واضحاً في النصوص من خلال استخدام الشاعر لعناصر الطبيعة كرمز عن الحالات الإنسانية بأسلوب فلسفي بحيث استخدم الاستفهامات في الحالات النفسية.
حمل النص دلالات رمزية عن التخلي والزهد في المظاهر الزائفة والتمسك بالبساطة والارتباط بالعطرة الروحانية بعيداً عن صخب الترف والتي تعتمد على الهداية الحقيقية.
نلاحظ في أسلوب الشاعر تماهي الروح والصوت كحالة وجدانية من الرمزية السمعية في التعبير عن حالة الحيرة العاطفية والبحث عن الطمأنينة في عتمة الليالي، كما تظهر الرمزية الصوفية جلية فقد اعتمدها بشكل مكثف حيث رمز “الفتاة” أو “الغادة” إلى النفس أو الحقيقة المطلقة، ورمز “السجود” و “البخور” لحالة الفناء والخشوع أمام الوجود.
لا يخفى أيضاً على القارئ ملاحظة استعمال العطار لأسلوب التضاد كثنائيات مثل (الماضي× الحاضر)، حيث يظهر الشاعر مسافراً في زمنه الخاص معترفاً بالماضي وأوجاعه الذي كان له تأثير كبير في تشكيل هويته الآنية كما تبدو عليه.
لا يمكن إلا أن نلاحظ احتراف الشاعر لاستخدام اللغة وتوظيف الأسلوب الإبداعي والمحسنات اللفظية لدعم متانة النصوص فاستخدم (المقابلة والطباق) توصيفاً لمشاعر الصراع بين الأمل واليأس موظفاً الأسلوبين لإبراز الصراع النفسي بإيقاع موسيقي عذب يوصل أحاسيس القارئ إلى رحلة المراسلة الحسية للتعبير عن الأثر الذي تركته الذكريات في روح الشاعر الذي انعكس لرومانسية حزينة وانتشاء في كل شطر من الأبيات.

خاتمة
يمتلك أسلوب العطار بشكل عام الحس الوجداني والعاطفي الذي يمزج بين رهافة المشاعر واتقان التصوير الجمالي بحيث يخلق أدباً يتجاوز الزمن ويمتلك قدرة على التجسيد الفني البارع من خلال الصور الشعرية وتعدد أبعاد اللغة الحسية. أنور العطار شاعر الحب والألم والطبيعة، شاعر الغربة والعزلة. نحتاج جرّة من مداد ومجلدات من القراطيس لنوفي الشاعر حقه بالتعمق في أغوار حروفه أرجو أن أكون وفقت لو قليلاً في الإضاءة على ما تحمله سيرة هذا الأديب الكبيرة.

#سفيربرس _بقلم : عزيزة المبارك

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *