بين بريق الإعلان وصدق التجربة _بقلم :د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت
لم تعد الإعلانات اليوم مجرد وسيلة للتعريف بمنتج أو خدمة، بل أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية. نراها في هواتفنا، وعلى منصات التواصل، وفي كثير من المواقع التي نزورها، حتى أصبحت حاضرة في تفاصيل يومنا بشكل لافت.
ومع هذا الحضور المتواصل، يبرز سؤال يستحق التأمل: هل كل ما نراه في الإعلانات يعكس الحقيقة فعلًا؟ أم أن الصورة أحياناً تبدو أجمل من الواقع؟
اليوم يروّج كثير من الأفراد والشركات والمؤثرين لمنتجاتهم وتجاربهم، وكل طرف يسعى إلى إبراز أفضل ما لديه. ومع هذا الزخم، لم يعد من السهل دائماً التمييز بين التجربة الصادقة، والإعلان الذي يبالغ في رسم الصورة.
ولا شك أن الإعلان في أصله وسيلة نافعة، فهو يعرّف الناس بالمنتجات والخدمات، ويساعدهم على معرفة الخيارات المتاحة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول إلى صورة مثالية لا تعكس الواقع كما هو، أو عندما تُبنى التوقعات على المبالغة أكثر من الحقيقة.
وهنا يظهر الفرق بين ما يُعرض للناس، وما يلاقونه على أرض الواقع.
وقد جاء الإسلام ليؤكد قيمة عظيمة في هذا الباب، هي الصدق والتثبت، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
فالتثبت لا يكون في الأخبار وحدها، بل في كل ما يصل إلى الإنسان من معلومات وصور وتجارب.
وقال النبي ﷺ: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة».
فالصدق ليس خلقاً حسناً فحسب، بل هو أساس الثقة بين الناس، وهو ما يمنح العلاقات دوامها واستقرارها.
ومن هنا تتوزع المسؤولية بين الجميع.
فالمستهلك مطالب بألا يجعل الإعلان وحده أساس قراره، بل يتحقق ويسأل ويستفيد من تجارب الآخرين قبل أن يحكم أو يشتري.
والمعلن مطالب بأن يجعل الصدق عنواناً لإعلانه؛ لأن المبالغة قد تحقق انتشاراً سريعاً، لكنها لا تصنع ثقة تدوم. أما التجربة الصادقة، فهي خير إعلان، وأقصر طريق إلى كسب احترام الناس.
كما أن للجهات الرقابية دوراً مهماً في حماية المستهلك، من خلال تنظيم الإعلانات والحد من الممارسات المضللة، حتى تبقى المنافسة قائمة على الوضوح والصدق.
وفي النهاية، لا أحد يعترض على الإعلان، فهو وسيلة مهمة للتعريف بالمنتجات والخدمات، لكن الإعلان وحده لا يصنع الثقة.
قد يجذب بريق الإعلان انتباه الناس، لكن الذي يجعلهم يعودون مرة بعد أخرى هو صدق التجربة.
ولذلك يبقى الفرق كبيراً بين صورةٍ تُبهر العين لحظات، وتجربةٍ صادقةٍ تبقى في الذاكرة طويلاً. وكما قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. فما ينفع الناس هو الذي يبقى، أما البريق الذي لا يسنده واقع، فلا يلبث أن يخبو مع الأيام.
#سفيربرس _الكويت _بقلم : د. عطية العلي


