الفجوة الوظيفية في القطاع العام السوري..وخطر اللامساواة المؤسسية. بقلم د. عدي سلطان
#سفيربرس

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، اعتمدت الحكومة السورية زيادات نوعية انتقائية بموجب المرسوم رقم 68 لعام 2026، شملت وزارات الصحة والتعليم العالي والتربية وبعض الهيئات الرقابية، بينما اكتفى معظم العاملين في باقي الوزارات — ومنها وزارات الصناعة والزراعة والإعلام وباقي الوزارت — بالزيادة العامة المحدودة بنسبة 50% فقط.
أنتج هذا القرار فجوة أجورية صارخة داخل الجهاز الحكومي الواحد. فالموظف الحاصل على درجة الدكتوراه في وزارة التعليم العالي يتقاضى أكثر من 11.5 مليون ليرة سورية شهرياً، في حين يحصل زميله بنفس المؤهلات والخبرة التي تزيد عن 15 عاماً في وزارة الزراعة على 1.3 مليون ليرة فقط. فرق يصل إلى تسعة أضعاف مقابل عمل عام ومسؤوليات وطنية متشابهة في جوهرها.
اقتصادياً، تمثل هذه السياسة تشوهاً خطيراً في منظومة الأجور، إذ تحولت الزيادة من أداة تصحيح إلى أداة تمييز بين الجهات. بدلاً من مكافأة الكفاءة والخبرة، أصبح الراتب يعتمد على “نوع الوزارة”، مما ينتهك مبدأ العدالة الأفقية ويخلق شعوراً عميقاً بالغبن لدى آلاف الموظفين.
النتائج تظهر بوضوح: تراجع الدافعية والإنتاجية في الوزارات المستثناة، هجرة داخلية للكفاءات نحو الجهات “المحظوظة”، وتآكل الثقة في الجهاز الحكومي ككل. كما أن هذا التمييز يفتح الباب أمام المحسوبية القطاعية ويضعف القدرة على تقديم خدمات عامة متكافئة للمواطنين.
إن استمرار هذه الفجوة ليس مجرد خلل إداري، و لا يمكن الاكتفاء بتبريرات “الأولويات” أو الوعود بإصلاحات تدريجية طويلة الأمد.
إن الزيادات النوعية المحدودة والانتقائية ليست حلاً، بل علاجاً مؤقتاً وذو آثار جانبية سيئة. هي تعكس نهجاً تقليدياً في التعامل مع الأزمات بالتجزئة والترقيع، بدلاً من إصلاح جذري شامل لمنظومة الأجور.
ليس هناك مبرر بالمماطلة. المطلوب ليس زيادات انتقائية جديدة ، بل سلم رواتب موحد وعادل يعتمد على المؤهل العلمي، المرتبة، الخبرة، والأداء الفعلي — دون تمييز بين الوزارات. أي تأخير إضافي في معالجة هذه الفجوة ليس سوى تبرير اللامساواة تحت غطاء “الأولويات”.
الفجوة ليست مجرد أرقام في كشوف الرواتب، بل هي عائق حقيقي أمام مفهوم العدالة الإدارية، وأداء القطاع العام.
#سفيربرس _بقلم :د. عدي سلطان



