ما وراء ستارة الخسارة.. بقلم: ليال علي سويدان
#سفيربرس _الإمارات العربية المتحدة

في بدايات العمر، نظنّ أن بعض الأشخاص كُتبوا في تفاصيل أيامنا إلى الأبد… نعتاد وجودهم حتى يبدو لنا أن الحياة لا تُفهم من دونهم، وأن الغياب عنهم يشبه اقتلاع جزء من الروح. نراهم أساسًا ثابتًا، ونمنحهم من القلب مساحة لا نتخيّل أن تصبح يومًا فارغة.
لكن الحياة… لا تمشي دائمًا كما نرسمها في داخلنا.
فجأة، أو بالتدريج، تبدأ المسافات. تتغيّر الكلمات، تخفّ الأسئلة، ويصبح التواصل الذي كان يومًا عفويًا وكأنه واجب ثقيل. عندها يبدأ الإنسان رحلة الأسئلة المُرهقة:
وين كان الغلط؟ مين تغيّر؟ وهل كنت أنا السبب أم الظروف أم الحقيقة التي تأخرت بالظهور؟
نحاول كثيرًا أن نجد تفسيرًا يهدّئ ذلك الشعور القاسي الذي يرافق الفقد، لأن خسارة الأشخاص لا تؤلم فقط لغيابهم… بل لأننا نخسر الصورة التي رسمناها عنهم في داخلنا.
لكن مع الوقت، يحدث أمر غريب يشبه النضج الهادئ… تبدأ الحقيقة بالظهور دون ضجيج.
نكتشف أن بعض الغياب لم يكن عقابًا، بل كشفًا. كشفًا لعلاقات كانت قائمة على العادة أكثر من المحبة، وعلى الاحتياج أكثر من الاحتواء. نكتشف أن هناك أشخاصًا كنّا نتمسّك بهم خوفًا من الفراغ، لا لأن وجودهم كان يزرع الطمأنينة فعلًا.
ثم تأتي الحياة بما لم نتوقعه…
ترسل لنا قلوبًا خفيفة، وصحبة صادقة، وأشخاصًا لا يبالغون في الوعود، لكنهم حاضرون حين يحتاجهم القلب. أشخاصًا لا يملؤون حياتك بالكلام، بل بالراحة. وجودهم وحده يكفي ليخفّف تعبًا قديمًا، ويجعلك تدرك أن الطيبة الصادقة لا تحتاج جهدًا لتثبت نفسها.
ومع مرور الأيام، تلاحظ شيئًا لم تكن تتوقعه: أنك نسيت أن تسأل عن أمور كانت تؤلمك، وعن أشخاص كنت تظن أن غيابهم سيكسر أيامك. ليس لأنك بلا وفاء… ولا لأنك توقفت عن الإحساس، بل لأن الحياة، أحيانًا، تعوّضنا بطريقة هادئة جدًا.
فتضع في طريقنا من يُشبه الطمأنينة بعد التعب، ومن يجعلنا نفهم أن بعض الناس لم يكونوا ضرورة كما ظننا… بل مرحلة.
ربما ليست كل خسارة مؤلمة كما نظن، وربما بعض الأبواب حين تُغلق، لا تكون نهاية شيء جميل… بل بداية مساحة أنقى، أقل ازدحامًا، وأكثر صدقًا.
لأن الحقيقة التي نتأخر بفهمها دائمًا:
ليس كل من كان مهمًا في وقتٍ ما، كُتب له أن يبقى… وليس كل غياب خسارة، فبعض الغياب نجاة، وبعض الأشخاص حين يرحلون… يتركون مكانًا لمن يستحق البقاء.
#سفيربرس _ بقلم: ليال علي سويدان



