من يقرّر أحلام أولادنا في زمن الخوارزميات؟. بقلم : د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت
كان الطفل في الماضي يرسم أحلامه من محيطه القريب؛ من والده الذي يراه كل يوم، أو من معلمه الذي يملأ عينيه هيبةً واحتراماً، أو من قصةٍ يرويها له جدّه عند المساء. كانت الأحلام تنمو بهدوء داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، وتتشكّل ملامحها من القيم والتجارب والنماذج الحية التي يعيشها الطفل ويرى أثرها أمامه.
أما اليوم، فقد تغيّر المشهد كثيراً.
لم تعد الأسرة وحدها تجلس مع أبنائها حول مائدة التأثير، ولم تعد المدرسة المصدر الرئيس للمعرفة والتوجيه، بل دخل إلى حياتنا شريك جديد، صامت في ظاهره، هائل في تأثيره، اسمه: الخوارزميات.
إن الطفل الذي يحمل هاتفًا ذكيًا بين يديه لا يجلس وحده أمام شاشة صامتة كما قد نظن، بل يجلس أمام منظومة كاملة تعمل ليل نهار لتعرف ماذا يحب، وماذا يكره، وماذا يشاهده، وما الذي يجذب انتباهه، ثم تبدأ بتقديم المزيد مما يشبه ذلك، حتى تُنشئ حوله عالمًا خاصًا قد لا يشعر هو نفسه بحدوده.
ومن هنا يبرز السؤال التربوي الكبير:
من الذي يصنع أحلام أبنائنا اليوم؟
هل ما زالت الأسرة هي التي ترسم لهم صورة المستقبل؟ أم المدرسة التي تغرس فيهم الطموح والمعرفة؟
أم أن الخوارزميات بدأت تهمس في آذانهم كل يوم بما ينبغي أن يحبوه، وما الذي يستحق أن يسعوا إليه؟
إن الخطر لا يكمن في التقنية ذاتها، فالتقنية نعمة عظيمة إذا أُحسن استخدامها، وإنما يكمن في أن يتحول الأبناء من مستخدمين واعين للتقنية إلى متلقين سلبيين تُصنع اهتماماتهم وتوجهاتهم دون أن يشعروا.
فالطفل الذي يشاهد نوعاً معيناً من المحتوى مرات متكررة، تبدأ الخوارزميات بإغراقه بالمزيد منه. ومع مرور الوقت تتشكّل لديه صورة خاصة عن النجاح، وصورة أخرى عن الجمال، وثالثة عن الشهرة، ورابعة عن السعادة. وربما لم يختر هو هذه الصور بنفسه، بل اختيرت له بطريقة غير مباشرة عبر آلاف المقاطع والتوصيات المتتابعة.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الخوارزمية لا تسأل: هل هذا المحتوى يبني شخصية الطفل؟ هل يعزز أخلاقه؟ هل يوسّع مداركه؟ هل ينمّي إنسانيته؟
إنها في الغالب تبحث عن شيء آخر: كيف يبقى أمام الشاشة وقتاً أطول؟
لذلك أصبحت المنافسة الحقيقية في عصرنا ليست على المال ولا على الموارد فحسب، بل على الانتباه البشري. فمن يملك انتباه الأبناء اليوم يستطيع أن يؤثر في أفكارهم غداً، ومن يؤثر في أفكارهم يستطيع أن يشارك في تشكيل مستقبلهم.
وقد أدرك الإسلام منذ قرون بعيدة خطورة البيئة المؤثرة في تكوين الإنسان، فقال النبي ﷺ:
«كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
فالإنسان يتأثر بمن حوله، ويتشكل بما يراه ويسمعه ويعايشه. وإذا كان التأثير في الماضي محصوراً في الأسرة والحي والمدرسة، فإن التأثير اليوم أصبح عابراً للحدود، يدخل البيوت دون استئذان، ويحمل معه ثقافات وأفكاراً وقيماً ونماذج حياة مختلفة.
ومن هنا فإن مسؤولية الأسرة أصبحت أعظم من أي وقت مضى.
لم يعد كافياً أن نوفر لأبنائنا الطعام واللباس والتعليم، بل أصبح من الضروري أن نرافقهم في رحلتهم الرقمية، وأن نعرف ماذا يشاهدون، ومن يتابعون، وما القيم التي يتلقونها كل يوم.
إن الحوار الأسري أصبح ضرورة تربوية لا أمراً ثانوياً، والجلوس مع الأبناء أصبح استثماراً لا وقتاً ضائعاً كما يظنه البعض، والقدوة الصالحة أصبحت أكثر تأثيراً من آلاف النصائح والتوجيهات.
فالطفل الذي يرى والديه يقرآن، سيقترب من القراءة. والذي يراهما يحترمان الوقت، سيتعلم قيمة الوقت. والذي يجد في بيته دفئاً عاطفياً واهتماماً حقيقياً، سيكون أقل بحثاً عن التعويض في العوالم الافتراضية.
كما أن المدرسة مطالبة اليوم بأن تنتقل من مجرد نقل المعلومات إلى بناء الوعي النقدي لدى الطلبة؛ فالمعلومة أصبحت متاحة بضغطة زر، أما القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين النافع والضار، وبين الرأي والعلم، فهي المهارة التي سيحتاجها أبناؤنا أكثر من أي وقت مضى.
إننا لا نستطيع أن نمنع أبناءنا من العيش في العصر الرقمي، ولا ينبغي لنا ذلك اصلاً، لكننا نستطيع أن نمنحهم البوصلة التي تساعدهم على السير فيه بأمان.
فالطفل الذي يمتلك قيماً راسخة، وعقلاً ناقداً، وهوية واضحة، وأسرة حاضرة، سيكون أكثر قدرة على الاستفادة من التقنية دون أن يصبح أسيراً لها.
وقديمًا قال الشاعر:
وينشأ ناشئُ الفتيانِ منّا
على ما كان عوّدَه أبوهُ
ولعل هذا البيت يحتاج اليوم إلى قراءة جديدة؛ فالتنشئة لم تعد مسؤولية الأب وحده، بل أصبحت ساحةً تتنافس فيها أطراف كثيرة، بعضها نراه ونعرفه، وبعضها يعمل بصمت خلف الشاشات.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام كل أب وأم ومربٍّ ومعلم:
إذا كانت الخوارزميات تعمل أربعاً وعشرين ساعة لتوجيه انتباه أبنائنا، فكم ساعة نخصص نحن لتوجيه قلوبهم وعقولهم؟
إن المستقبل لن يصنعه الذكاء الاصطناعي وحده، بل سيصنعه الإنسان القادر على استخدام هذا الذكاء وهو متمسك بقيمه، واعٍ برسالته، مدرك لهويته.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.
وفي زمن الخوارزميات، لعل من معاني هذه الوقاية أن نحرس عقول أبنائنا كما نحرس أجسادهم، وأن نهتم بأحلامهم كما نهتم بدراستهم، وأن نبقى حاضرين في حياتهم قبل أن تحتل الشاشات والمساحات الرقمية مواقعنا في وجدانهم.
فالأحلام التي نغرسها اليوم في نفوس أبنائنا، هي البذور الأولى للمستقبل الذي سيعيشون فيه غداً، وهي الأمانة التي سنُسأل عنها أمام الله والتاريخ والأجيال القادمة..
#سفيربرس _بقلم :د. عطية العلي


