إعلان
إعلان

الإنسان والنسخة الرقمية… حين يقترب المستقبل أكثر مما نتصور. بقلم : د. عطية العلي

#سفيربرس _الكويت

إعلان

في أحد البرامج التلفزيونية، ظهرت إحدى الإعلاميات وهي تحاور زميلها الذي بدا حاضراً عبر شاشة داخل الأستوديو. بدا المشهد في بدايته عادياً؛ حوارٌ مألوف، وصوتٌ معروف، وإجابات لا تثير الشك، حتى ظنّ المشاهد أنه أمام مداخلة إعلامية تقليدية بين زميلين.

غير أن المفاجأة حدثت حين دخل الزميل نفسه إلى الأستوديو ووقف إلى جوار الإعلامية، ليُكشف أن المتحدث عبر الشاشة لم يكن هو، بل نسخة رقمية صنعها الذكاء الاصطناعي، تحاكي صوته وملامحه وأسلوبه بدرجة مدهشة من الإتقان.
في تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد عرض تقني أو تجربة إعلامية، بل تحوّل إلى رسالة عميقة تقول إن المسافة بين الواقع والمحاكاة بدأت تتقلص بسرعة، وإن ما كنا نراه يوماً خيالاً علمياً أصبح جزءاً من واقعنا المعاش.
لقد اعتدنا في الماضي أن نشاهد أفلاماً تتنبأ بالمستقبل فننظر إليها بإعجاب، ثم نغلق الشاشة ونحن على يقين أن ذلك بعيد المنال.
أما اليوم، فإن بعض تلك المشاهد باتت تُمارس أمامنا في الواقع، وبوتيرة أسرع مما توقع كثير من الخبراء.
لا شك أن الذكاء الاصطناعي يُعد من أعظم التحولات التقنية في تاريخ البشرية الحديث، إذ أسهم في تطوير قطاعات التعليم والطب والإعلام والصناعة والإدارة وغيرها. ومن الخطأ أن يُقابل هذا التحول بالخوف المطلق، كما أن من الخطأ نفسه أن يُقابل بالإبهار غير المشروط.
فكل تقنية كبرى تحمل وجهين: وجهاً يفتح أبواب التقدم والفرص، وآخر قد يفتح أبواب المخاطر والإشكالات إن غابت عنها الضوابط والوعي.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: لسنا بحاجة إلى أن نسأل ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل، بل كيف يمكن أن نُحسن توظيفه ونرشد استخدامه؟، بحيث يبقى أداةً في خدمة الإنسان، تعزّز قدراته وتُسهم في تحسين جودة حياته وتطوير واقعه، لا أن يتحول إلى قوة منفلتة تتجاوز وعيه أو تُوجّهه نحو مسارات لا يدرك عواقبها.
ماذا لو أصبح تقليد الأصوات أمرًا متاحًا بدقة كاملة؟
وماذا لو أُنتجت مقاطع مرئية لأشخاص يقولون ما لم يقولوه أصلًا؟
وماذا لو استُخدمت هذه التقنيات في التشويه أو الابتزاز أو صناعة الشائعات؟
إن هذه الأسئلة لم تعد افتراضات نظرية، بل تحذيرات واقعية تفرض نفسها بقوة، لأننا أمام تحوّل لا يمكن اختزاله في بعده التقني فحسب، بل يمتد إلى أبعاد أخلاقية وقانونية وتربوية وأمنية تمس استقرار المجتمعات وثقة الناس بعضهم ببعض.
إننا اليوم أمام مسؤولية جماعية تتجاوز حدود التقنية ذاتها، لتشمل المشرّعين وصنّاع القرار، والمؤسسات التربوية والإعلامية، بل والمجتمع بأسره. فالتقنية حين تتقدم بسرعة تفوق الوعي، تصبح الحاجة إلى الضبط والتوجيه أكثر إلحاحاً من مجرد الإعجاب بها.
ولهذا تبدو الحاجة ملحّة إلى أطر تشريعية حديثة تواكب هذا التطور، وتحمي الحقوق الفردية، وتضع حدوداً واضحة للاستخدام. كما أن التوعية الرقمية أصبحت ضرورة، لا سيما في تعليم الأجيال الجديدة مهارات التحقق وعدم التسليم لكل ما يُنشر أو يُشاهد.
وقد سبق القرآن الكريم إلى هذا المبدأ حين قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
وفي عالم تتداخل فيه الحقيقة مع الصنعة والخيال، تصبح هذه القاعدة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
إن المستقبل لا ينتظر أحداً ، والتقنية لا تتوقف، لكن الحكمة وحدها هي التي تحدد اتجاه هذا التقدم؛ فإما أن يكون بناءً للإنسان، أو عبئاً عليه.
ويبقى الرهان الحقيقي ليس على ما تصنعه الآلة بكل أشكالها، بل على وعي الإنسان الذي يستخدمها.
فالخلل ليس في المعرفة ولا في التقنية، وإنما في طريقة الفهم والتوظيف، وهنا تتحدد قيمة الإنسان أمام منجزاته.
اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعل ما وهبت البشرية من علم ومعرفة سبباً في عمارة الأرض وإصلاحها، لا في الإفساد فيها أو الإضرار بعبادك.

#سفيربرس _ بقلم : د. عطية العلي 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *