“بروفة يوم الحساب” .. حين يرتفع صوت الذاكرة من واقع موجع إلى خشبة المسرح
#سفيربرس _ريم الأسعد

في قلب دمشق حيث تختلط حجارة المدينة القديمة برائحة الياسمين ووجع الذاكرة يستعد مسرح الحمرا لإستقبال عمل مسرحي واعد يلتقط نبض مرحلة مضى عليها زمن لكن جروحها ما زالت تنبض لليوم
مسرحية “بروفة يوم الحساب” التي تُعرض نهاية حزيران الحالي ليست مجرد عرض مسرحي عابر بل هي محاولة جريئة لتشريح الذاكرة الجمعية والفردية عبر كاميرا مسرحية مكثّفة تلتقط أدق تفاصيل الروح السورية المنهكة.
يجمع العمل بين أربعة أسماء ثقيلة في المشهد الفني السوري والعربي حيث يتعاون كل من الكاتب فارس الذهبي والمخرج ماهر صليبي ليقدما لوحة درامية تتصدرها الفنانة يارا صبري في عودة مؤثرة إلى بلادها، وإلى جانبها روبين عيسى وجابر جوخدار .
حول القصة بعض مما تم التصريح عنه للسوشال ميديا
المكان قبو الخياطة يرمز للوطن المنهك
عالماً مكانياً ضيقاً وحاملاً لثقله الخاص
قبو خياطة قديم ليس مجرد ديكور بل هو شخصية خامسة في المسرحية اعتنى الكاتب في روايته أن ينقل احساس المكان فجدرانه التي تآكلت بالرطوبة تشبه جدران المدينة التي تآكلت بالحرب وفساتينه المعلّقة ليست مجرد أقمشة بل هي أجساد صامتة تحمل حكايات نساء غيّبهن الزمن
تحويل المكان الضيق والمغلق إلى فضاء سينمائي للذاكرة مهمة المخرج الذي أراد للنص أن ينطق على المسرح
الحكاية ، امرأتان تعملان في قبو على ترميم الفساتين القديمة وهذا يرمز في جوهره إلى محاولة ترميم بقايا حياة مكسورة.
هذه الاستعارة المكانية تمنح العمل بعداً إنسانياً عابراً للحدود حيث يصبح كل مكان مغلق يشبه المآسي الفردية التي بداخل النفس البشرية والتي بدورها تتحول إلى هموم جماعية .
المواجهة الصامتة بين الضحية والجلاد
لا يقدم النص معركة جسدية حادة بل يبني حبكته على توتر نفسي وجودي يتصاعد مع دخول شخصية الرجل إلى هذا الفضاء الأنثوي المغلق هنا تتبدل أدوار القوة بين الشخصيات الثلاث لتتحول المسرحية إلى مواجهة غير معلنة بين ضحايا الماضي وصوره المتوارية خلف ستار النسيان
يزجّ النص بثلاث شخصيات في منطقة رمادية بين العدالة والانتقام .
لا يظهر الشرير بوضوح ولا تظهر الضحية في قالبها التقليدي إذ تطرح الشخصيات أسئلتها الوجودية حول مدى مصداقية الذاكرة بعد سنوات من الصدمة وهل يمكن للضحية أن تثق بذاكرتها المشوهة أم أن وهم الاضطهاد قد يسكن عقولها ليجعلها أسيرة لوجعها الخاص
تتجاوز المسرحية حدود الحكاية الفردية لتتحول إلى مرآة تعكس معاناة مجتمع كامل مع ذاكرته المعذبة فالمجتمع الذي يراقب هاتين المرأتين ويشك في وحدتهما يمثل النظرة الاجتماعية القاسية التي تفرض على النساء تفضيل القهر على انكسار السمعة هذه الإشارة الاجتماعية تمنح العمل بعداً نقدياً ساخناً دون أن تقع في فخ الوعظ المباشر.
وفي تطور لافت يتحول القبو تدريجياً إلى منصة رمزية يواجه فيها الأبطال “النساء اللاتي خُذلن”، وكأن الخياطة والمقص والإبرة تتحول إلى أدوات مواجهة لا مجرد أدوات عمل حيث يصبح المقص أداة تهديد
والإبرة محاولة يائسة لخياطة ذاكرة ممزقة.
ربما هذا النص و هذه المسرحية قد لا تعطينا إجابة نهائية مريحة للواقع لكنها بالتأكيد ستفتح باب التساؤلات الوجودية
في تفكير الجميع
يختصر الكاتب قصة مسرحية “’بروفة يوم الحساب” فيقول هي تتحدث عن العدالة حين تتأخر، وعن التصالح مع الألم، وعن الضحية حين تضطر إلى مواجهة الماضي والتفاهم معه، وعن الحقيقة حين تفقد شهودها وأوراقها وتبقى معلّقة في الصوت والنّدبة والكوابيس.
#سفيربرس _ريم الأسعد




