عندما يُختزل الإرشاد التربوي قراءة نقدية في إعادة تعريف دور المرشد داخل المدرسة.بقلم : د. تهامة محمد المعلم
#سفيربرس
ليست كل إعادة توزيع للمهام تطويرًا، وليست كل قرارات التنظيم إصلاحًا.
أحيانًا، قد يبدو القرار الإداري من الخارج وكأنه إعادة ترتيب للمهام، بينما يؤدي في جوهره إلى تغيير طبيعة اختصاص مهني كامل، ونقله تدريجيًا من موقعه الأساسي إلى موقع آخر لا يشبهه.
وهنا تحديدًا تبرز قضية الإرشاد التربوي والنفسي في المدرسة.
فالإرشاد ليس مهمة إدارية إضافية، ولا وظيفة احتياطية يمكن الاستعانة بصاحبها في كل ما تحتاجه المدرسة من أعمال تنظيمية. إنه اختصاص له فلسفته وأهدافه وأدواته وحدوده المهنية، وأي تغيير في بنيته أو مهامه يجب أن ينطلق من فهم هذه الحقيقة.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس:
ماذا يستطيع المرشد أن يفعل داخل المدرسة؟
بل:
ما الذي يجب أن يفعله المرشد أصلًا وفقًا لاختصاصه؟
وهذا فرق جوهري.
—
أولًا: من “المرشد” إلى “المشرف”… أين حدث التحول؟
حين يصبح المرشد مسؤولًا بصورة أساسية عن حركة الطلاب، ومراقبة الدخول والخروج، ومتابعة الأنشطة، وتنفيذ مهام تنظيمية متعددة، فإننا لا نكون أمام مجرد زيادة في الأعباء.
نحن أمام إعادة تعريف للدور المهني.
فالمرشد الذي يفترض أن يكون قريبًا من الطالب نفسيًا وتربويًا، متاحًا للاستماع، قادرًا على الملاحظة والمتابعة والتدخل، قد يجد نفسه مستهلكًا في مهام يومية لا تمنحه الوقت ولا المساحة لممارسة جوهر اختصاصه.
وهنا تظهر المفارقة:
نحن نطالب المدارس بمزيد من الاهتمام بالصحة النفسية للطلاب، وبالحد من العنف والتنمر والتسرب والمشكلات السلوكية، ثم نُضعف في الوقت نفسه الدور الذي يفترض أن يتعامل مع هذه القضايا.
إنها ليست مشكلة في شخص المرشد.
إنها مشكلة في بنية الدور نفسه.
—
ثانيًا: الإرشاد التربوي ليس “مراقبة طالب”
هناك فرق كبير بين أن تراقب الطالب وأن تفهم الطالب.
المراقبة قد تخبرنا أن الطالب يتأخر، أو ينسحب من النشاط، أو يتشاجر مع زملائه، أو يرفض المشاركة.
لكن الإرشاد يسأل:
لماذا؟
ماذا وراء هذا السلوك؟
ما الذي تغير في حياة هذا الطالب؟
هل السلوك عابر أم متكرر؟
هل هو تعبير عن صعوبة أسرية؟ أم مشكلة في التكيف؟ أم ضغط نفسي؟ أم صعوبة اجتماعية؟ أم حاجة إلى تدخل متخصص؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من خلال الوقوف عند باب المدرسة أو متابعة حركة الطلاب في الساحات.
الإرشاد يحتاج إلى وقت، وملاحظة، ومقابلة، واستماع، وتقييم، ومتابعة، وتوثيق، وتعاون مع الأسرة والمعلمين والإدارة عند الحاجة.
أي أن الإرشاد عمل مهني قائم على عملية، وليس مجرد حضور وظيفي داخل المدرسة.
—
ثالثًا: أخطر ما يمكن أن يحدث هو “الاختزال المهني”
اختزال الاختصاص يعني أن نأخذ جزءًا بسيطًا من دوره ونعتبره هو الدور كله.
أن نقول إن المرشد يتابع الطلاب، صحيح.
لكنه لا يتابعهم فقط من الناحية التنظيمية.
وأن نقول إنه يتعامل مع السلوك، صحيح.
لكنه لا يتعامل معه من زاوية العقوبة أو الضبط فقط.
وأن نقول إنه يتعاون مع الإدارة، صحيح.
لكنه ليس امتدادًا إداريًا لها.
وأن نقول إنه يشارك في الأنشطة، قد يكون صحيحًا في إطار التعاون المدرسي، لكن الأنشطة ليست جوهر المهنة الإرشادية.
المشكلة تبدأ عندما تتحول المهام الثانوية أو المساندة إلى صلب الوظيفة، بينما يتراجع الدور الأساسي إلى الهامش.
وهنا يصبح لدينا مرشد يحمل اسم الاختصاص، لكنه لا يمتلك الوقت الكافي لممارسة الاختصاص.
وهذا أخطر من إلغاء الوظيفة بصورة مباشرة؛ لأن الإلغاء الواضح يمكن اكتشافه، أما الاختزال فيحدث تدريجيًا حتى يصبح أمرًا طبيعيًا.
—
رابعًا: المدرسة ليست مؤسسة تعليمية فقط
النظرة التقليدية للمدرسة تنظر إليها باعتبارها مكانًا لتقديم المعرفة.
أما المدرسة الحديثة فتنظر إليها باعتبارها بيئة متكاملة لبناء الإنسان.
الطالب لا يدخل إلى الصف منفصلًا عن حياته.
يدخل ومعه أسرته، وعلاقاته، ومخاوفه، وخبراته، وشخصيته، وصورته عن نفسه، ومشكلاته الاجتماعية والانفعالية.
ولهذا فإن جودة التعليم لا تنفصل عن الصحة النفسية.
قد يمتلك الطالب القدرة الأكاديمية، لكنه لا يستطيع الاستفادة منها بسبب القلق.
وقد يكون ذكيًا، لكن مشكلاته الاجتماعية تمنعه من الاندماج.
وقد يكون متفوقًا، لكنه يعيش ضغطًا نفسيًا شديدًا.
وقد يظهر طالب بصورة عدوانية، بينما يكون السلوك العدواني غطاءً لمعاناة لا يعرف كيف يعبر عنها.
وقد يكون الطالب صامتًا، لكن صمته ليس دائمًا دليلًا على الاستقرار.
وهنا يأتي دور الإرشاد:
أن يرى ما وراء السلوك.
—
خامسًا: المرشد ليس “شرطي المدرسة”
من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب الإرشاد أن يتحول المرشد تدريجيًا إلى أداة للضبط.
فالطالب عندما يرى المرشد بوصفه الشخص الذي يراقبه، ويلاحقه، ويسجل مخالفاته، ويمنعه من الحركة، قد يتكون لديه تصور أن المرشد جزء من منظومة العقاب.
بينما الإرشاد يحتاج إلى شيء مختلف تمامًا:
الثقة.
والطالب لن يتحدث عن خوفه، أو مشكلته الأسرية، أو تنمر يتعرض له، أو شعوره بالعجز، إذا كان يرى الشخص المقابل له بوصفه جهة رقابية فقط.
وهنا تظهر قيمة المسافة المهنية:
المرشد جزء من المؤسسة المدرسية، لكنه ليس مجرد ذراع رقابي لها.
إنه في موقع يسمح له بأن يكون حلقة وصل مهنية بين الطالب والأسرة والمعلم والإدارة، مع الحفاظ على أخلاقيات المهنة وحدودها.
—
سادسًا: أين الطالب في كل هذا؟
حين نعيد توزيع مهام المرشد، يجب أن يكون السؤال الأول:
ماذا سيحدث للطالب؟
وليس فقط:
كيف سنوزع الموظفين؟
فالقرارات الإدارية قد تكون سهلة على الورق، لكنها تحمل نتائج بعيدة المدى في الواقع.
إذا أصبح المرشد مشغولًا طوال اليوم بالمهام التنظيمية، فمن الذي سيلاحظ الطالب الذي تغير سلوكه؟
من الذي سيجلس معه؟
من الذي سيستمع إلى شكواه؟
من الذي سيتواصل مع أسرته؟
من الذي سيضع خطة متابعة؟
من الذي سيلاحظ أن التراجع الدراسي ليس مجرد كسل؟
ومن الذي سيكتشف أن وراء العدوان أو الانسحاب أو الغياب المتكرر مشكلة تحتاج إلى تدخل؟
قد لا تظهر نتائج غياب الإرشاد في اليوم التالي.
لكنها تظهر لاحقًا في شكل مشكلات أكبر وأكثر تعقيدًا.
وهنا تصبح الوقاية أكثر تكلفة من التدخل المبكر.
—
سابعًا: الأسرة شريك وليست جهة تُستدعى عند المشكلة
الإرشاد المدرسي الحقيقي لا يعمل مع الطالب بمعزل عن أسرته.
الأسرة تحتاج إلى توعية وإرشاد في كيفية التعامل مع أبنائها، وفهم مراحل النمو، وإدارة المشكلات السلوكية، والتعامل مع الضغوط الدراسية، والتواصل مع المدرسة.
وفي كثير من الحالات، قد يكون تغيير طريقة تعامل الأسرة مع الطالب جزءًا أساسيًا من الحل.
لذلك، فإن المرشد يحتاج إلى مساحة زمنية ومهنية تسمح له ببناء هذا التواصل.
أما إذا تحول دوره إلى سلسلة من الأعمال التنظيمية اليومية، فإن أحد أهم أطراف العملية الإرشادية ــ الأسرة ــ سيصبح بعيدًا عن دائرة العمل الحقيقي.
—
ثامنًا: لكل اختصاص حدوده… والتكامل لا يعني الخلط
من الخطأ أن نضع الاختصاصات في مواجهة بعضها.
المعلم مهم.
ومشرف الرياضة مهم.
ومشرف الموسيقى مهم.
ومشرف النشاط الفني مهم.
والإدارة مهمة.
والمرشد مهم.
لكن قيمة المدرسة لا تأتي من إلغاء الفروق بين هذه الأدوار، وإنما من تكاملها.
فالمرشد ليس أفضل من الجميع، كما أن المعلم ليس بديلًا عنه.
ومشرف النشاط ليس مرشدًا نفسيًا، كما أن المرشد ليس مشرف نشاط.
كلما احترمنا الحدود المهنية للاختصاصات، أصبح التعاون بينها أكثر قوة.
أما حين نخلط الأدوار، فنحن لا نوسع وظيفة الموظف، بل قد نُضعف وظائف متعددة في الوقت نفسه.
—
تاسعًا: القرار الإداري يحتاج إلى مرجعية مهنية
ليس كل ما يمكن تكليف الموظف به يجب أن يصبح جزءًا من اختصاصه.
هناك فرق بين:
“يستطيع أن يقوم بهذه المهمة”
وبين:
“هذه المهمة جزء من اختصاصه.”
وهذا الفرق يجب ألا يضيع في القرارات التنظيمية.
قبل إعادة تعريف مهام الإرشاد، ينبغي أن تكون هناك مراجعة مهنية حقيقية تشارك فيها الجهات المختصة بالإرشاد والتربية وعلم النفس، لأن أهل المهنة هم الأقدر على تحديد ما الذي يحتاجه المرشد حتى يؤدي دوره بصورة صحيحة.
فالقرار الإداري قد يوزع الساعات.
لكن المعرفة المهنية هي التي تحدد أين يجب أن تُستثمر هذه الساعات.
—
عاشرًا: نحن لا نحتاج إلى مرشد “مشغول”… بل مرشد “فاعل”
قد يكون المرشد أكثر الموظفين انشغالًا في المدرسة.
لكن الانشغال ليس دليلًا على الفاعلية.
قد يقضي يومه كاملًا في الحركة والمتابعة والتنظيم، ومع ذلك لا يكون قد مارس جلسة إرشادية واحدة، أو تابع حالة تحتاج إلى تدخل، أو تواصل مع أسرة، أو وضع خطة وقائية.
السؤال الحقيقي ليس:
هل المرشد يعمل طوال اليوم؟
بل:
هل يعمل في جوهر اختصاصه؟
وهذا هو الفارق بين العمل الوظيفي والعمل المهني.
—
نحو إعادة الاعتبار للإرشاد التربوي والنفسي
إن الدفاع عن الدور الحقيقي للمرشد لا يعني رفض التطوير أو التنظيم أو التعاون مع المدرسة.
بل يعني المطالبة بتطوير الإرشاد نفسه.
نحتاج إلى مرشد يمتلك وقتًا للإرشاد.
نحتاج إلى برامج وقائية واضحة.
نحتاج إلى متابعة منظمة للحالات.
نحتاج إلى تعاون حقيقي مع الأسرة.
نحتاج إلى تدريب مستمر.
نحتاج إلى آليات واضحة للإحالة عندما تتجاوز الحالة حدود العمل المدرسي.
ونحتاج إلى تقييم أداء المرشد بناءً على مؤشرات مرتبطة بعمله المهني، وليس بعدد المهام الإدارية التي استطاع إنجازها.
—
خاتمة: عندما نحمي الإرشاد نحمي الطالب
قد يبدو تغيير مسمى مهمة أو إضافة مسؤولية أمرًا بسيطًا على الورق.
لكن في التربية، التفاصيل الإدارية قد تحمل آثارًا نفسية وإنسانية كبيرة.
الطالب الذي لم يجد شخصًا يستمع إليه في الوقت المناسب، قد تصبح مشكلته أكبر.
والأسرة التي لم تحصل على التوجيه المناسب، قد تتعامل مع المشكلة بطريقة خاطئة.
والمعلم الذي لم يجد جهة متخصصة تساعده في فهم سلوك طالب معين، قد يفسر السلوك تفسيرًا خاطئًا.
والمدرسة التي تفتقد إرشادًا فاعلًا، قد تتحول من بيئة للوقاية إلى بيئة لا تتحرك إلا بعد حدوث المشكلة.
لذلك، فإن القضية ليست دفاعًا عن وظيفة أو مسمى وظيفي.
القضية دفاع عن فلسفة تربوية كاملة.
الإرشاد التربوي والنفسي ليس بابًا يُفتح عند حدوث المشكلة ويُغلق عند انتهائها.
إنه منظومة وقائية وتربوية ونفسية تعمل قبل المشكلة، وأثناءها، وبعدها.
ومن هنا، فإن أي قرار يعيد تشكيل هذا الدور يجب أن يُقاس أولًا بقدرته على الإجابة عن سؤال واحد:
هل سيجعل الطالب أكثر أمانًا، وأكثر قدرة على التكيف، وأكثر فهمًا لذاته، وأكثر قدرة على التعلم؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام تطوير حقيقي.
أما إذا كان القرار يجعل المرشد أكثر انشغالًا، والطالب أقل وصولًا إلى الإرشاد، والاختصاص أكثر ابتعادًا عن جوهره، فعلينا أن نتوقف ونسأل بجدية:
هل نحن نطوّر الإرشاد التربوي… أم نعيد تعريفه بطريقة تُفرغه من معناه؟
فالمدرسة التي تستثمر في الإرشاد لا تعالج المشكلات فقط؛
إنها تمنع بعضها من أن يولد أصلًا.
#سفيربرس _بقلم :د. تهامة محمد المعلم



