(المراوغة العاطفية) تأثيرها في العلاقات سلبًا وإيجابًا. بقلم : د. هلا شيخ شوك
#سفيربرس

تُعد العلاقات الإنسانية من أكثر الجوانب تعقيدًا في حياة الإنسان، فهي تقوم على التواصل والثقة والصدق والاحترام المتبادل. إلا أن بعض الأشخاص يلجؤون إلى أساليب غير مباشرة للتعامل مع مشاعرهم أو مع مشاعر الآخرين، ومن أبرز هذه الأساليب المراوغة العاطفية. قد تبدو في بعض الأحيان وسيلة لحماية النفس أو تجنب الصدام، لكنها قد تتحول إلى نمط سلوكي يترك آثارًا عميقة في العلاقات إذا استُخدمت بصورة متكررة أو بقصد التأثير في الطرف الآخر.
ما هي المراوغة العاطفية؟
المراوغة العاطفية هي أسلوب تواصل يتجنب فيه الشخص التعبير المباشر عن مشاعره أو نواياه، أو يستخدم الغموض والرسائل المتناقضة والتلميحات بدلاً من الوضوح. وقد تكون هذه المراوغة واعية ومقصودة بهدف التأثير في الطرف الآخر، أو غير واعية نتيجة الخوف من الرفض أو فقدان العلاقة أو ضعف المهارات التواصلية.
أشكال المراوغة العاطفية
تتخذ المراوغة العاطفية عدة صور، منها:
إرسال رسائل متناقضة بين القول والفعل.
إظهار الاهتمام ثم الانسحاب المفاجئ.
استخدام الصمت أو التجاهل كوسيلة للضغط.
التهرب من الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالمشاعر أو مستقبل العلاقة.
إلقاء اللوم على الطرف الآخر بدلاً من تحمل المسؤولية.
إظهار الغيرة أو الاهتمام بشكل غير مباشر لاختبار مشاعر الشريك.
أسباب المراوغة العاطفية
تختلف دوافع هذا السلوك من شخص لآخر، ومن أهمها:
الخوف من الالتزام أو الارتباط.
الخوف من التعرض للرفض أو الخيانة.
تجارب عاطفية سابقة مؤلمة.
ضعف الثقة بالنفس.
الرغبة في السيطرة على العلاقة.
عدم النضج العاطفي.
اكتساب هذا الأسلوب من البيئة الأسرية أو الاجتماعية.
التأثيرات السلبية للمراوغة العاطفية
1. فقدان الثقة
عندما يشعر أحد الطرفين بأن الآخر لا يعبر بوضوح عن مشاعره، تبدأ الثقة بالتراجع، ويصبح من الصعب بناء علاقة مستقرة.
2. زيادة القلق والتوتر
الغموض المستمر يجعل الطرف الآخر في حالة من التساؤل الدائم حول حقيقة العلاقة، مما يسبب القلق والاستنزاف النفسي.
3. ضعف التواصل
يعتمد نجاح العلاقات على الحوار الصريح، بينما تؤدي المراوغة إلى تراكم سوء الفهم وتفسير التصرفات بطرق مختلفة.
4. انخفاض تقدير الذات
قد يشعر الشخص الذي يتعرض للمراوغة بأنه غير كافٍ أو غير محبوب، خاصة إذا كان يتلقى إشارات متناقضة باستمرار.
5. زيادة النزاعات
كلما غابت الصراحة، ازدادت الخلافات المبنية على سوء الفهم والافتراضات.
6. الإرهاق العاطفي
محاولة فهم الشخص المراوغ أو توقع تصرفاته قد تستنزف طاقة الشريك وتؤدي إلى الإحباط وربما الانفصال.
هل للمراوغة العاطفية جوانب إيجابية؟
رغم السمعة السلبية للمراوغة العاطفية، فإن بعض صورها قد تكون مفيدة إذا كانت محدودة وغير مؤذية.
1. حماية المشاعر
قد يختار الشخص عدم الإفصاح عن كل مشاعره في البداية حتى يتأكد من نوايا الطرف الآخر، مما يمنحه مساحة للشعور بالأمان.
2. تجنب ردود الفعل المتسرعة
أحيانًا يساعد التريث وعدم الإفصاح الفوري عن المشاعر في تهدئة المواقف المتوترة وإعطاء فرصة للتفكير.
3. الحفاظ على الخصوصية
ليس من الضروري كشف جميع المشاعر أو التفاصيل الشخصية منذ بداية العلاقة، فالتدرج في الانفتاح قد يكون صحيًا.
4. اختبار جدية العلاقة
قد يراقب بعض الأشخاص تصرفات الطرف الآخر قبل اتخاذ قرارات مصيرية، لكن يجب ألا يتحول ذلك إلى تلاعب أو استنزاف للطرف المقابل.
متى تتحول المراوغة إلى تلاعب عاطفي؟
تصبح المراوغة خطيرة عندما تُستخدم عمدًا للسيطرة على الآخر أو لإرباكه، مثل:
إعطاء الأمل ثم سحبه باستمرار.
استخدام التجاهل كعقاب.
إثارة الغيرة بشكل متكرر.
الكذب أو إخفاء الحقائق لتحقيق مكاسب شخصية.
استغلال تعلق الطرف الآخر للحصول على النفوذ داخل العلاقة.
في هذه الحالة لا تعود المراوغة مجرد أسلوب تواصل، بل تصبح شكلًا من أشكال التلاعب العاطفي الذي قد يترك آثارًا نفسية مؤذية.
كيف نتعامل مع الشخص المراوغ عاطفيًا؟
يمكن اتباع عدة خطوات:
المطالبة بالتواصل الواضح والصريح.
عدم تفسير كل تصرف أو البحث عن معانٍ خفية لكل كلمة.
وضع حدود واضحة للسلوكيات التي تسبب الأذى.
تقييم العلاقة بناءً على الأفعال لا الأقوال فقط.
تعزيز الثقة بالنفس وعدم ربط قيمة الذات بتصرفات الطرف الآخر.
اللجوء إلى الاستشارة النفسية إذا أصبحت العلاقة مرهقة أو مؤذية.
كيف نتجنب الوقوع في المراوغة العاطفية؟
تعلم التعبير عن المشاعر بوضوح.
ممارسة الصدق والشفافية.
تقبل الرفض باعتباره جزءًا طبيعيًا من العلاقات.
تطوير مهارات الحوار والاستماع.
معالجة المخاوف القديمة التي تؤثر في أسلوب التواصل.
المراوغة العاطفية ليست دائمًا سلوكًا سلبيًا، فقد تكون في بعض المواقف تعبيرًا عن الحذر أو الحاجة إلى الوقت قبل الانفتاح الكامل. لكن عندما تصبح أسلوبًا دائمًا يقوم على الغموض أو التلاعب أو السيطرة، فإنها تضعف الثقة وتستنزف المشاعر وتهدد استقرار العلاقات. لذلك يبقى التواصل الصادق، والاحترام المتبادل، والوضوح في التعبير عن المشاعر، الأساس الحقيقي لبناء علاقات صحية ومتوازنة تدوم مع الزمن.
#سفيربرس _بقلم :دكتورة هلا شيخ شوك 🌸



