إعلان
إعلان

تونس والمونديال: عندما يتحول “المستطيل الأخضر” إلى مرآة لوجدان شعب وطقس احتفالي عابر للأجيال

#سفير_برس _ تونس نورس برو

إعلان

في تونس، لا تُصنف كرة القدم ضمن خانة “الألعاب الرياضية الأكثر شعبية” فحسب، بل هي أقرب إلى كونها “عقيدة مجتمعية” وظاهرة سوسيولوجية متكاملة الأركان. وحين تدق ساعة “المونديال”، وتتأهل “النسور” إلى المحفل العالمي، تخلع البلاد عباءة الرتابة اليومية لترتدي ثوباً احتفالياً صاخباً، تمتزج فيه الهتافات برائحة الشاي بالنعناع، وتتحول الشوارع والمقاهي والمنازل إلى استوديوهات مفتوحة ومدرجات تنبض بالحياة.

المونديال في تونس ليس مجرد حدث رياضي يُتابع عبر الشاشات؛ بل هو طقس ثقافي واجتماعي يختزل تاريخاً طويلاً من التوق لإثبات الذات على الساحة الدولية، ويعكس تلاحماً فريداً تتلاشى فيه الفروق الطبقية والجهوية والسياسية خلف ألوان “المريول” الأحمر والأبيض.

 

ذاكرة الأثير واللون: مقتطفات تاريخية من شغف البدايات

لم يكن عشق التونسيين للمونديال وليد الصدفة، بل هو نتاج إرث تراكم عبر عقود، وصيغ في لحظات تاريخية فارقة تحولت إلى أساطير شعبية تُروى للأبناء والأحفاد.

الشرارة الأولى لهذا الشغف المونديالي العارم اندلعت في صيف عام 1978 في الأرجنتين. كان ذلك التأهل الأول لمنتخب عربي وإفريقي يحقق انتصاراً في تاريخ كأس العالم، حين دكّت تونس حصون المكسيك بثلاثية تاريخية في ذلك الوقت، لم تكن أجهزة التلفزيون الملونة متوفرة في كل البيوت التونسية، وتحتفظ الذاكرة الجمعية بقصص مذهلة عن تحول منازل الميسورين القلائل الذين يمتلكون جهاز “تلفاز” إلى قاعات سينما مصغرة تستقبل الجيران من كل حدب وصوب. أما من لم يسعفه الحظ، فكان يلتصق بجهاز “الراديو” ترانزستور، يستمع إلى الوصف الحي المفعم بالحماس بصوت المعلقين الأسطوريين، حيث كان حب كرة القدم قادراً على توحيد الحارة بأكملها حول صوت واحد.

تكررت الملاحم التاريخية في مونديالات لاحقة؛ من مشاركة 1998 في فرنسا التي أحيت روابط الهجرة والشغف لدى “الجالية التونسية” في أوروبا، وصولاً إلى مونديال روسيا 2018 وقطر 2022. وفي كل محطة، كان الشغف يزداد عمقاً والتفاصيل الثقافية تتجذر أكثر. في مونديال قطر، على سبيل المثال، وثّقت التقارير العالمية كيف تحولت الملاعب المونديالية إلى ما يشبه شوارع تونس العاصمة بفضل الحضور الجماهيري الطاغي، وهو ما أكد للعالم أن علاقة التونسي بكرته هي علاقة “انتماء وجودي”.

 

سوسيولوجيا المقهى: “البرلمان الشعبي” للمونديال

إذا كان الملعب هو المسرح الأساسي للمباراة، فإن “المقهى التونسي” هو مسرحها الموازي والأكثر حيوية من الناحية المجتمعية. مع انطلاق المونديال، تشهد المقاهي في تونس من “بنزرت” شمالاً إلى “تطاوين” جنوباً طفرة تنظيمية واقتصادية استثنائية. تُمَدد الشاشات العملاقة، وتُرتب الكراسي في صفوف متراصة تشبه مدرجات الملاعب، وتتحول المقاهي إلى “برلمانات شعبية” لا تهدأ.

يتميز الطقس المجتمعي في المقهى التونسي خلال المونديال بخصائص فريدة:

• صراع الأجيال الإيجابي: تجد الشيخ السبعيني الذي يعقد مقارنات مستمرة بين جيل “طارق ذياب” و”حمادي العقربي” عام 1978، والشباب اليافع المهووس بالإحصائيات والخطط التكتيكية الحديثة وعصر “السوشيال ميديا”. هذا الحوار التفاعلي يخلق جسراً ثقافياً عابراً للأجيال.

• طقوس الضيافة المونديالية: لا يمكن متابعة مباراة للمنتخب دون رفيقين أساسيين: “الشاي التونسي بالبندق” (الصنوبر) أو اللوز، ونرجيلة “الشيشة” التي ينبعث دخانها متناغماً مع زفير الآهات وضياع الفرص.

• ديمقراطية الشاشة: المقهى هو المكان الذي تذوب فيه كل الفوارق؛ يجلس العامل البسيط إلى جانب الطبيب أو الأستاذ الجامعي، يتشاركون نفس القلق، ويصرخون بذات الفرحة عند تسجيل الهدف، مما يبرز الدور التضامني لـ “الساحرة المستديرة”.

 

العائلة والمطبخ: المونديال يقتحم البيوت التونسية

خارج أسوار المقاهي، يمتلك المونديال بعداً عائلياً حميمياً داخل البيوت التونسية، حيث تشارك المرأة (الأم، الزوجة، والأخت) بفعالية لا تقل صخباً عن الرجال. في الواقع، تتحول الأم التونسية خلال مباريات “النسور” إلى محلل فني وعنصر دعم معنوي، يحفزها في ذلك “الحس الوطني” العالي.

المطبخ التونسي، الغني بنكهاته وحرارته، يسجل حضوره القوي كجزء من الطقس الثقافي للمونديال. تحرص العائلات على إعداد وجبات سريعة لكنها تقليدية لمواكبة لساعات البث، مثل “الكسكروت التونسي” المحشو بالهريسة الحارة والتن، أو “البريك”، بالإضافة إلى المعجنات كالبيتزا والفطائر المحلية. وفي حال كانت المباريات تُبث في أوقات مسائية، فإن “الكسكسي بالمسفوف” أو “المقرونة بالدجاج” تكون سيدة الطاولة التي يجتمع حولها الجميع فور إطلاق صافرة النهاية، لتتحول وجبة العشاء إلى جلسة تقييمية لأداء المدرب واللاعبين.

ومن المظاهر المجتمعية اللطيفة أيضاً، شراء العائلات للأقمصة الرياضية والأعلام لجميع أفراد المنزل، بما في ذلك الأطفال الرضع، وحتى تزيين شرفات المنازل بالراية الوطنية، مما يحول المونديال إلى درس عملي في التربية الوطنية وحب الوطن لدى الناشئة.

 

“الدخلة” والأغاني: الإبداع الثقافي لـ “الـموفما” التونسية

لا يمكن الحديث عن ثقافة كرة القدم في تونس دون التطرق إلى ظاهرة “الألتراس” أو ما يُعرف محلياً بالـ “موفما” (Movement). هذا الفكر التنظيمي الشبابي ينعكس بشكل مبهر خلال المونديال من خلال الشق الثقافي والفني الذي يقدمه الشباب التونسي للعالم.

الأغاني الرياضية التونسية تجاوزت منذ زمن بعيد فكرة الهتافات البسيطة لتصبح قطعاً موسيقية متكاملة، تحتوي على مضامين اجتماعية وسياسية وثقافية عميقة. في فترة المونديال، تتوحد هذه المجموعات تحت راية الوطن، وتصدر أغاني حماسية خاصة بالمنتخب، تُعزف بآلات إيقاعية تقليدية مثل “الدربوكة” و”البندير”، وتجتاح الشوارع والسيارات.

علاوة على ذلك، يبرز الشغف التونسي في ابتكار “التيفو” أو “الدخلة” (اللوحات الفنية التشكيلية التي ترفع في المدرجات). الشباب التونسي ينقل هذه الثقافة من الملاعب المحلية إلى الساحة العالمية، مستخدماً رموزاً تاريخية تونسية مثل “الخمسة”، “الشاشية”، أو “نسور قرطاج”، ليعرف العالم بالهوية التونسية الضاربة في القدم من بوابة الرياضة.

 

الاقتصاد المونديالي العفوي: انتعاش في قلب الشغف

ثقافياً ومجتمعياً، يخلق المونديال في تونس دورة اقتصادية موازية قائمة بذاتها، تترجم هذا العشق الجماهيري إلى حركة تجارية دؤوبة. تنتشر في الأسواق الشعبية مثل “سوق بومنديل” أو “المدينة العتيقة” بساطات وعربات مخصصة لبيع كل ما له صلة بكأس العالم.

من “الوشامين” الذين يرسمون العلم التونسي على وجوه الأطفال في الشوارع، إلى باعة الأعلام بمختلف أحجامها، وباعة المزامير (“الفوفوزيلا”) والأقنعة؛ يتحول الفضاء العام إلى كرنفال تجاري. حتى قطاع الملابس يشهد طفرة من خلال محلات الخياطة الصغيرة التي تتفرغ لإنتاج أقمصة المنتخب الوطني بأسعار شعبية تناسب الجميع، مما يؤكد أن المونديال في تونس هو محرك ليس فقط للمشاعر، بل للحياة اليومية بمختلف تفاصيلها المعيشية.

 

الدرس التونسي في كتاب الأثير العالمي

في نهاية المطاف، يثبت التونسيون في كل نسخة مونديالية أن كرة القدم بالنسبة إليهم هي أكثر بكثير من مجرد 90 دقيقة يركض فيها اثنان وعشرون لاعباً خلف قطعة من الجلد المنفوخ. إنها المساحة الزمانية والمكانية التي يتجلى فيها الكبرياء الوطني، والمناسبة التي يعبرون من خلالها عن قدرة هذا الشعب الأصيل على الفرح والابتهاج رغم كل الصعاب الاقتصادية أو الاجتماعية.

المونديال في تونس هو طاقة إيجابية متجددة، تختزل طقوس المقهى العتيق، وحرارة المطبخ العائلي، وإبداع الأغنية الشبابية، وعراقة التاريخ التي بدأت من ملحمة 1978 ولا تزال فصولها تكتب بمداد من الشغف والوفاء. إنه الموعد الذي تبتسم فيه تونس من الأعماق، وتثبت للعالم أن نسر قرطاج، حتى وإن لم يحمل كأساً، فإنه يحمل دائماً كأس العالم في قلوب وعقول شعب يعشق الحياة… ويعشق الكرة.

#سفير_برس _ تونس نورس برو

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *